0 comments
معنى الرحمة الإلهية

السابق

"الرحمة" انفعال خاص يعرض على القلب عند مشاهدة النقص أو الحاجة، فيندفع الإنسان إلى رفع ذلك، فعندما يشاهد الإنسان يتيماً يرتجف من البرد أو فقيراً أضناه من الجوع أو مظلوماً يتلوى تحت سياط الظالمين تعرضه حالة الرقة، فيندفع لتغيير هذا الواقع، وهذه هي الرحمة.

ولكن الله سبحانه ليس محلاً للحوادث - كما ثبت في علم الكلام، فإذا أطلقت هذه الكلمة على الله سبحانه أريد بها العطاء والإفاضة لرفع الحاجة، ومن هنا قيل: "خذ الغايات واترك المبادئ،" فالرحمة لها "مبدأ" وهو الوصف الانفعالي الخاص الذي يعرض على القلب و"منتهى" وهو العطاء والإفاضة، فإذا أطلق هذا الوصف على الله سبحانه أريد بهم "غايته" لا "مدؤه" (وهكذا بالنسبة إلى الصفات الأخرى التي هي من هذا القبيل).

وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام): "وأما الغضب فهو منا إذا غضبنا تغيرت طبايعنا، وترتعد أحياناُ مفاصلنا، وحالت ألوننا، ثم نجيء من بعد ذلك بالعقوبات، فسمي غضباً، فهذا كلام الناس المعروف، والغضب شيئان أحدهما في القلب، وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله جل جلاله، وكذلك رضاه وسخطه ورحمته على هذه الصفة."1

وفي نهج البلاغة أن أمير المؤمنين قال: "رحيم لا يوصف بالرقة"2، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "إن الرحمة وما يحدث لنا منها شفقة ومنها جود، وإن رحمة الله ثوابه لخلقه، وللرحمة من العباد شيئان، أحدهما يحدث في القلب: الرأفة والرقة لما يرى بالمرحوم من الضر والحاجة وضورب البلاء، والآخر ما يحدث منا بعد الرأفة واللطف على المرحوم والمعرفة منا بما نزل به، وقد يقول القائل: 'انظر إلى رحمة فلان'، وإنما يريد الفعل الذي حدث عن الرقة التي في قلب فلان، وإنما يضاف إلى الله عز وجل من فعل ما حدث عنا من هذه الأشياء، وأما المعنى الذي في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه، فهو رحيم لا رحمة رقة."3

الرحمن الرحيم

يذهب بعض المفسرين إلى أن "الرحمن" هو ذو الرحمة الشاملة، فتعم المؤمنين والكافرين والمحسنين والمسيئين وكل موجود في هذه الحياة الدنيا، بينما "الرحيم" هو ذو الرحمة الدائمة، وذلك ما يختص بالمؤمنين وحدهم، ومن هنا قسموا الرحمة إلى رحمة "رحمانية" تعم الجميع ورحمة "رحيمية" تختص بالمؤمنين فقط.

ويستدلون على ذلك:

أولاً: إن كلمة "رحمن" على وزن فعلان، وهذه الصيغة تدل على الكثرة والمبالغة4، بينما كلمة "رحيم" على وزن فعيل، وهي صفة مسبة فتدل على الثبات والدوام5.

ثانياً: ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: "الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة."6، وري عنه أيضاً انه فقال: "الرحمن اسم خاص لصفة عامة، والرحيم اسم عام لصفة خاصة"7

وقد فُسر ذلك بأن "الرحمن" اسم مختص بالله سبحانه فلا يطلق على غيره، لكنه يعبر عن صفة عامة وهي الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء، و"الرحيم" اسم عام لأنه يطلق على غير الله تعالى أيضاً، لكنه يعبر عن صفة خاصة وهي الرحمة الثابتة الخاصة بالمؤمنين فقط.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن عيسى (عليه السلام) قال: "الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة."8

ولعلنا نجد في بعض الآيات تلميحاً إلى هذه الحقيقة، فقد قال سبحان<ه>: ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا))9، وقال سبحان<ه>: ((إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ))10، وقال تعالى: ((قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا))11، وقال تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى))12.

الرحمة الخاصة والرحمة العامة

وسواء تم هذا الفرق أو لم يتم من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، فالذي يهمنا أن الرحمة الإلهية على نوعين:

النوع الأول: رحمة عامة تشمل كل الموجودات بلا استثناء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والمؤمن والكافر والمنافق والصالح والطالح، فلولا هذه الرحمة لم يفض الوجود على هذه الماهيات "الحقائق"، ولم تنتقل من ظلمات "العدم" إلى نور "الوجود"، ولم يتعهدها الله سبحانه بالإمداد المستمر والعناية الدائمة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث قال: ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ))13، وقال أيضاً: ((رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً))14، وقال: ((فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ))15، وقال: ((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ))16.

ونجد في الأحاديث الشريفة عينات تكشف عن جوانب من هذه الرحمة، فقد روي عن الإمام العسكري (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): 'إن إبراهم (عليه السلام) - لما رفع في الملكوت وذلك قول ربي: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)) - قوّى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين مستترين، فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة فدعا الله عليهما بالهلاك، فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهم<ا> بالهلاك، فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك، فهلكا، ثم رأى آخرين فهمّ بالدعاء بالهلاك، فأوحى الله إليه: 'يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي، فإني أنا الغفور الرحيم الجبار العليم، لا تضرني ذنوب عبادي، كمل لا تنفعني طاعتهم، ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، فاكفف دعوتك عن عبادي، فإنما، أنت عبد نذير لا شريك في المملكة ولا مهيمن عليّ ولا على عبادتي، وعبادي معي بين خلال ثلاث: إما تابوا فتبت عليهم، وغفرت ذنوبهم، وسترت عيوبهم، وإما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون، فأرفق بالآباء الكافرين، وأتأنّى بالأمهات الكافرات، وأرفع عنهم عذابي ليخرج أولئك المؤمنون من أصلابهم، فإذا تزايلوا حق بهم عذابي وحاق بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإن الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريدهم به.'"17

ونقل أيضاً - ما مضمونه - أن ضيفاً جاء إلى إبراهيم (عليه السلام) فلما مُدّت المائدة لم يقل الرجل "بسم الله"، فسأله إبراهيم (عليه السلام) عن ذلك. فقال الرجل: "إنني لا أؤمن أصلاً بوجود الله." فلم يرض إبراهيم (عليه السلام) أن يواكل الرجل، فقام الرجل وخرج، فأوحى الله إليه: "يا إبراهيم، إنني لم أقطع رزقي ورحمتي عن هذا الرجل منذ أن خلقته، ولم يمنعني كفره عن ذلك، أفلم تستطع أن تضيفه يوماً واحداً؟"

فقام إبراهيم (عليه السلام)، وذهب خلف الرجل ليرجعه، فسأله الرجل عن السبب، فذكر له إبراهيم (عليه السلام) ما أوحى الله سبحانه إليه، وكانت لحظات عاد فيها الرجل إلى وجدانه، ليسلم على يدي إبراهيم (عليه السلام) لله رب العالمين. ومن هنا نقرأ في الدعاء: "يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة."18

وأما النوع الثاني: فهي الرحمة الخاصة، وهي - كما سبق - تختص بالمؤمنين فقط.

التالي

الفهرست

السابق

(1) نور الثقلين - ج 1 - ص 24
(2) المصدر ص 13
(3) نور الثقلين - ج 1 - ص 14
(4) وذلك نحو "غضبان" الذي يقال لمن امتلأ غضباً
(5) مثل "كريم" ونحوه
(6) بحار الأنوار - ج 79 - ص 229 -، وروي نظيره في نور الثقلين - ج 1 - ص 12، والبرهان - ج 1 - ص 45 (ط مؤسسة الوفاء)
(7) مواهب الرحمن - ج 1 - ص 23 ( الطبعة الثالثة) وراجع مجمع البيان - ج 1 - ص 21 - ونور الثقلين - ج 1 - ص 14
(8) التبيان - ج 1 - ص 29 - (ط دار إحياء التراث العربي)
(9) الأحزاب - 43
(10) التوبة - 117
(11) مريم - 75
(12) طه - 5
(13) سورة الأعراف - 156
(14) سورة غافر - 7
(15) سورة الأنعام - 147
(16) سورة لقمان - 27
(17) بحار الأنوار - ج 12 - ص - 60 - وراجع أيضاً النور المبين - ص 131 (ط 8)
(18) مفاتيح الجنان - الدعاء الثامن من الأدعية العامة لشهر رجب 

Read More »

معنى الرحمة الإلهية

0 comments
معنى الرحمة الإلهية

السابق

"الرحمة" انفعال خاص يعرض على القلب عند مشاهدة النقص أو الحاجة، فيندفع الإنسان إلى رفع ذلك، فعندما يشاهد الإنسان يتيماً يرتجف من البرد أو فقيراً أضناه من الجوع أو مظلوماً يتلوى تحت سياط الظالمين تعرضه حالة الرقة، فيندفع لتغيير هذا الواقع، وهذه هي الرحمة.

ولكن الله سبحانه ليس محلاً للحوادث - كما ثبت في علم الكلام، فإذا أطلقت هذه الكلمة على الله سبحانه أريد بها العطاء والإفاضة لرفع الحاجة، ومن هنا قيل: "خذ الغايات واترك المبادئ،" فالرحمة لها "مبدأ" وهو الوصف الانفعالي الخاص الذي يعرض على القلب و"منتهى" وهو العطاء والإفاضة، فإذا أطلق هذا الوصف على الله سبحانه أريد بهم "غايته" لا "مدؤه" (وهكذا بالنسبة إلى الصفات الأخرى التي هي من هذا القبيل).

وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام): "وأما الغضب فهو منا إذا غضبنا تغيرت طبايعنا، وترتعد أحياناُ مفاصلنا، وحالت ألوننا، ثم نجيء من بعد ذلك بالعقوبات، فسمي غضباً، فهذا كلام الناس المعروف، والغضب شيئان أحدهما في القلب، وأما المعنى الذي هو في القلب فهو منفي عن الله جل جلاله، وكذلك رضاه وسخطه ورحمته على هذه الصفة."1

وفي نهج البلاغة أن أمير المؤمنين قال: "رحيم لا يوصف بالرقة"2، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "إن الرحمة وما يحدث لنا منها شفقة ومنها جود، وإن رحمة الله ثوابه لخلقه، وللرحمة من العباد شيئان، أحدهما يحدث في القلب: الرأفة والرقة لما يرى بالمرحوم من الضر والحاجة وضورب البلاء، والآخر ما يحدث منا بعد الرأفة واللطف على المرحوم والمعرفة منا بما نزل به، وقد يقول القائل: 'انظر إلى رحمة فلان'، وإنما يريد الفعل الذي حدث عن الرقة التي في قلب فلان، وإنما يضاف إلى الله عز وجل من فعل ما حدث عنا من هذه الأشياء، وأما المعنى الذي في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه، فهو رحيم لا رحمة رقة."3

الرحمن الرحيم

يذهب بعض المفسرين إلى أن "الرحمن" هو ذو الرحمة الشاملة، فتعم المؤمنين والكافرين والمحسنين والمسيئين وكل موجود في هذه الحياة الدنيا، بينما "الرحيم" هو ذو الرحمة الدائمة، وذلك ما يختص بالمؤمنين وحدهم، ومن هنا قسموا الرحمة إلى رحمة "رحمانية" تعم الجميع ورحمة "رحيمية" تختص بالمؤمنين فقط.

ويستدلون على ذلك:

أولاً: إن كلمة "رحمن" على وزن فعلان، وهذه الصيغة تدل على الكثرة والمبالغة4، بينما كلمة "رحيم" على وزن فعيل، وهي صفة مسبة فتدل على الثبات والدوام5.

ثانياً: ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: "الرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة."6، وري عنه أيضاً انه فقال: "الرحمن اسم خاص لصفة عامة، والرحيم اسم عام لصفة خاصة"7

وقد فُسر ذلك بأن "الرحمن" اسم مختص بالله سبحانه فلا يطلق على غيره، لكنه يعبر عن صفة عامة وهي الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء، و"الرحيم" اسم عام لأنه يطلق على غير الله تعالى أيضاً، لكنه يعبر عن صفة خاصة وهي الرحمة الثابتة الخاصة بالمؤمنين فقط.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن عيسى (عليه السلام) قال: "الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة."8

ولعلنا نجد في بعض الآيات تلميحاً إلى هذه الحقيقة، فقد قال سبحان<ه>: ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا))9، وقال سبحان<ه>: ((إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ))10، وقال تعالى: ((قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا))11، وقال تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى))12.

الرحمة الخاصة والرحمة العامة

وسواء تم هذا الفرق أو لم يتم من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، فالذي يهمنا أن الرحمة الإلهية على نوعين:

النوع الأول: رحمة عامة تشمل كل الموجودات بلا استثناء من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والمؤمن والكافر والمنافق والصالح والطالح، فلولا هذه الرحمة لم يفض الوجود على هذه الماهيات "الحقائق"، ولم تنتقل من ظلمات "العدم" إلى نور "الوجود"، ولم يتعهدها الله سبحانه بالإمداد المستمر والعناية الدائمة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث قال: ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ))13، وقال أيضاً: ((رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً))14، وقال: ((فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ))15، وقال: ((وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ))16.

ونجد في الأحاديث الشريفة عينات تكشف عن جوانب من هذه الرحمة، فقد روي عن الإمام العسكري (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): 'إن إبراهم (عليه السلام) - لما رفع في الملكوت وذلك قول ربي: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)) - قوّى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين مستترين، فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة فدعا الله عليهما بالهلاك، فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهم<ا> بالهلاك، فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك، فهلكا، ثم رأى آخرين فهمّ بالدعاء بالهلاك، فأوحى الله إليه: 'يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي، فإني أنا الغفور الرحيم الجبار العليم، لا تضرني ذنوب عبادي، كمل لا تنفعني طاعتهم، ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، فاكفف دعوتك عن عبادي، فإنما، أنت عبد نذير لا شريك في المملكة ولا مهيمن عليّ ولا على عبادتي، وعبادي معي بين خلال ثلاث: إما تابوا فتبت عليهم، وغفرت ذنوبهم، وسترت عيوبهم، وإما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون، فأرفق بالآباء الكافرين، وأتأنّى بالأمهات الكافرات، وأرفع عنهم عذابي ليخرج أولئك المؤمنون من أصلابهم، فإذا تزايلوا حق بهم عذابي وحاق بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإن الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريدهم به.'"17

ونقل أيضاً - ما مضمونه - أن ضيفاً جاء إلى إبراهيم (عليه السلام) فلما مُدّت المائدة لم يقل الرجل "بسم الله"، فسأله إبراهيم (عليه السلام) عن ذلك. فقال الرجل: "إنني لا أؤمن أصلاً بوجود الله." فلم يرض إبراهيم (عليه السلام) أن يواكل الرجل، فقام الرجل وخرج، فأوحى الله إليه: "يا إبراهيم، إنني لم أقطع رزقي ورحمتي عن هذا الرجل منذ أن خلقته، ولم يمنعني كفره عن ذلك، أفلم تستطع أن تضيفه يوماً واحداً؟"

فقام إبراهيم (عليه السلام)، وذهب خلف الرجل ليرجعه، فسأله الرجل عن السبب، فذكر له إبراهيم (عليه السلام) ما أوحى الله سبحانه إليه، وكانت لحظات عاد فيها الرجل إلى وجدانه، ليسلم على يدي إبراهيم (عليه السلام) لله رب العالمين. ومن هنا نقرأ في الدعاء: "يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة."18

وأما النوع الثاني: فهي الرحمة الخاصة، وهي - كما سبق - تختص بالمؤمنين فقط.

التالي

الفهرست

السابق

(1) نور الثقلين - ج 1 - ص 24
(2) المصدر ص 13
(3) نور الثقلين - ج 1 - ص 14
(4) وذلك نحو "غضبان" الذي يقال لمن امتلأ غضباً
(5) مثل "كريم" ونحوه
(6) بحار الأنوار - ج 79 - ص 229 -، وروي نظيره في نور الثقلين - ج 1 - ص 12، والبرهان - ج 1 - ص 45 (ط مؤسسة الوفاء)
(7) مواهب الرحمن - ج 1 - ص 23 ( الطبعة الثالثة) وراجع مجمع البيان - ج 1 - ص 21 - ونور الثقلين - ج 1 - ص 14
(8) التبيان - ج 1 - ص 29 - (ط دار إحياء التراث العربي)
(9) الأحزاب - 43
(10) التوبة - 117
(11) مريم - 75
(12) طه - 5
(13) سورة الأعراف - 156
(14) سورة غافر - 7
(15) سورة الأنعام - 147
(16) سورة لقمان - 27
(17) بحار الأنوار - ج 12 - ص - 60 - وراجع أيضاً النور المبين - ص 131 (ط 8)
(18) مفاتيح الجنان - الدعاء الثامن من الأدعية العامة لشهر رجب 

Read More »

الآية: بسم الله الرحم الرحيم

0 comments
الآية: بسم الله الرحم الرحيم

السابق

بسم الله الرحمن الرحيم

المفردات

بسم: أي نبتدأ بهذا الإسم المبارك.

الرحمن: ذو الرحمة الشاملة.

الرحيم: ذو الرحمة الدائمة.

المدخل

هذه الآية الكريمة هي شعار القرآن حيث تبتدأ سور القرآن كلها بهذه الآية - باستثناء سوة التوبة، حيث أنها بدأت بإعلان الحرب على الكفار فلا يناسب ذلك افتتاحها بالرحمة.

وحيث أن القرآن الكريم يحتوي على 114 سورة، وحيث أن البسملة تكررت في سورة النمل مرتين - مرة في مفتتحها ومرة في قوله تعالى حكايةً عن بلقيس ملكة سبأ حين ألقي عليها كتاب كريم: ((إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) - لذا فالبسملة تكررت في القرآن الكريم 114 مرة بعدد سوره تماماً. ولعل هذا التطابق يرمز إلى أن النظام التشريعي - الذي احتوى عليه القرآن الكريم - يبدأ من الله وتلفه الرحمة من أوله إلى آخره (كما أن النظام الكوني الذي يستوعب الكون كله - كذلك).

كما إن هذه الآية الكريمة هي شعار المسلم في كل عمل يقوم به حيث ورد في الحديث الشريف: "كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله فهو أبتر."1 وفي حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام): "سرقوا أكرم آية في كتاب الله ((بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ))، وينبغي الإتيان به عند كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه"2

لماذا البدء بالبسملة؟

من الضروري أن يكون هنالك تطابق تام بين "الواقع الشعوري" و"الحقيقية الخارجية" لكي تكون مسيرة الفرد سليمة في الحياة، أما إذا حدث الانفصام بين الواقع الشعوري والحقيقة الخارجية فإن ذلك يؤدي إلى اختلال المسيرة وارتباك الأمور، ويتضح ذلك إذا لاحظنا الحقيقتين التاليتين:

الحقيقة الأولى: أن المحرك للإنسان هو الشيء بـ"وجوده العلمي" لا بـ"وجوده العيني"، فلكل شيء وجودان حقيقيان: "عيني" يتمثل في الوجود الخارجي للشيء كوجود الشمس الخارجية في كبد السماء، "علمي" يتمثل في الوجود الذهني للشيء كوجود الشمس في لوحة ذهنك حينما تتصورها - وإن كنت في الظلام البهيم. (هذا مضافاً إلى وجودين آخرين اعتباريين هما "الوجود اللفظي" و"الوجود الكتبي".)

والذي يحرك الإنسان هو الوجود العلمي للشيء لا الوجود العيني. فإذا تصور الإنسان وجود خطر داهم يهدد حياته - كحيوان مفترس يحاول أن يلتهمه - فإنه سوف يفر بنفسه وإن لم يكن هذا التصور يملك أي رصيد من الواقع، وبالعكس، إذا كان هنالك خطر حقيقي يهدد حياته لكنه لم يشعر بذلك الخطر فإنه سوف يظل في مكانه دون أن يفكر في النجاة بنفسه.

فالمحرك للإنسان - بل لكل كائن واع - هو الشيء بوجوده العلمي لا بوجوده العيني (حسبما تبين ببرهان الدوران الترديد الذي مر آنفاً).

الحقيقة الثانية: إن للحقائق الخارجية آثاراً وضعية لا تناط بالعلم بها، بل تترتب عليها. فالنظام الكوني نظام صارم، لا يتحمل أية معارضة، فكل خروج على هذا النظام يستتبع عواقب وخيمة دون فرق بين أن يكون الخارج على النظام عالماً بعواقب خروجه أو جاهلاً بذلك.

إن الجهل بالقانون أو بالآثار المترتبة قد يشفع لصاحبه في ارتفاع المؤاخذة القانونية، لكنه لن يكون شفيعاً له في ارتفاع الآثار التكوينية، فمن تحدى قانون الجاذبية وحاول أن يطير إلى السماء من سطح عمارة شاهقة فسوف تطرحه الجاذبية أرضاً وتتركه جثة مهشمة دون جراك وإن تصور أنه يستطيع أن يقلد الطيور في طيرانها، وهكذا في سائر الأمثلة.

وعلى ضوء هاتين الحقيقتين نستطيع أن نعرف أن أي انفصام بين الواقع الشعوري والحقيقة الخارجية سوف يجر الفرد إلى الجري العملي وفق تصوراته الذهنية المناقضة للواقع، وعندئذ، يطاله عقاب التمرد على النظام الكوني دون هوادة.

عودة إلى الآية

وانطلاقاً مما تقدم نقول: إن الله سبحانه وتعالى - في الواقع الخارجي - مبدأ لكل شيء، ومصدر لكل شيء، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، فكل "الذوات" تستمد كينونتها من كينونته، وكل "الصفات" تستمد وجودها من وجوده، لأن كل "الذوات" وكل "الصفات" أمورٌ ممكنةُ الوجود - أن <أي> لا تستمد الوجود من ذاتها - فأنت لم تكن ثم كنت، وعلمك لم يكن ثم كان، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن وجوده مستمد من ذاته، إذ أن "فاقد الشيء لا يعطيه،" فلابد أن ينتهي وجودك الإمكاني إلى وجود واجب الذات - وهو الله سبحانه وتعالى - ولابد أن ينتهي علمك الإمكاني إلى علم واجب بالذات - وهو علم الله سبحانه وتعالى، وحسب التعبير الفلسفي: "فإن كل ما بالغير لابد أن ينتهي إلى ما بالذات." فدسومة كل شيء من الدهن، أما دسومة الدهن فمن ذاته، ونورية كل شيء من الضوء، أما نورية الضوء فمن ذاته.

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء في الواقع الخارجي فيجب أن يكون قبل كل شيء في الواقع الشعوري لكي تتطابق الواقعيتان ولا يحدث أي انفصام بينهما، فقبل كل شيء لابد أن نرى الله سبحانه ونستشعر بوجوده وقدرته وهيمنته. ولذا ورد في الحديث الشريف: "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه."

والالتفات إلى هذه الحقيقة ذو آثار جمة في فكر الإنسان وسلوكه، إذ سوف يتجه الإنسان بكله إلى ربه، ويتوكل عليه، ويستمد كل شيء منه، ولا يعود يتخذ أرباباً من دون الله سبحانه بتوهم أنها تنفعه أو تضره، إذ كل شيء في هذا الوجود مرهون بمشيئته سبحانه وتعالى.

أزمة الأمور طراً بيده      والكل مستمدة من مدده

وقد روي أنه لما أمر الملك بحبس يوسف (عليه السلام) بالسجن ألهمه الله تعالى تأويل الرؤيا، فكان يعبر لأهل السجن، فلما سأله الفتيان الرؤيا وعبّر لهما، وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك، لم يفزع في تلك الحال إلى الله فأوحى الله إليه: "من أراك الرؤيا التي رأيتها؟"

قال يوسف: "أنت يارب."

قال: "فمن حببك إلى أبيك؟"

قال يوسف: "أنت يارب."

قال: "فمن وجّه إليك السيارة التي رأيتها؟"

قال يوسف: "أنت يارب."

قال: "فمن علمك الدعاء الذي دعوت به حتى جعلت لك من الجب فرجا؟"

قال يوسف: "أنت يارب."

قال: "فمن أنطق الصبي بعذرك؟"

قال يوسف: "أنت يارب."

قال: "فمن ألهمك تأويل الرؤيا؟"

قال يوسف: "أنت يارب."

فقال سبحانه له: "فكيف استعنت بغيري ولم تستعن بي، وأملت عبد من عبيدي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي وفي قبضتي ولم تفزع إليّ؟ إلبث في السجن بضع سنين /عقوبة على ترك الأولى/."3

وعن الصادق (عليه السلام): "أنها كانت سبع سنين"4

وقد روي أيضاً أن جبرائيل (عليه السلام) أتى يوسف (عليه السلام)، فضرب برجله حتى كشط له في الأرض السابعة، فقال له: "يا يوسف انظر، ماذا ترى؟"

فقال: "أرى حجراً صغيراً،"

ففلق الحجر فقال: "ماذا ترى؟"

قال: "دودة صغيرة،"

قال: "فمن رازقها؟"

قال: "الله،"

قال: فإن ربك يقول: "لَمْ أنس هذه الدودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السابعة، أظننت أني أنساك حتى تقول للفتى: 'اذكرني عند ربك'؟ لتلبثن في السجن بمقالتك هذه بضع سنين."

فبكى يوسف عند ذلك، فتأذى به أهل السجن فصالحهم على أن يبكي يوماً ويسكت يوماً، فكان اليوم الذي يسكت فيه أسوء حالاً.5

طبعاً هذا لا يعني عدم التوسل بالأسباب الطبيعية، بل يعني أن يعرف الإنسان أن وراء كل الأسباب - سبب الأسباب - وهو الله سبحانه وتعالى، وعلى كل، فتكرار البسملة أمام كل سورة - وقبل كل عمل - إلفات إلى هذه الحقيقة، فـ"بسم الله" يعني أننا نبدأ بهذا الإسم المبارك، وتكرار ذلك قبل كل شيء يركز في الذهن هذه الحقيقة - حقيقة بدء كل شيء بالله - في الواقع الخارجي، فينبغي الالتفات إلى هذه المبدئية في الواقع الشعوري، وإعلان هذا الالتفات في التلفظ بكلمة "بسم الله" أمام كل عمل في الحياة.

التالي

الفهرست

السابق

(1) البحار - ج 89 - ص 242
(2) الميزان - ج 1 - ص - 23 - ط 3
(3) بحار الأنوار - ج 12 - ص 246، وراجع أيضاً البحار - ج 68 - ص 113
(4) الأنبياء حياتهم قصصهم - للحسيني - ص 193
(5) النور المبين - للجزائري - ص 213، 214. 

Read More »
0 comments
وماذا نصنع بهذه الشبهات (2)

السابق

الشبهة الثانية: كيف نعرف العام والخاص

والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ؟

إن في القرآن عاما وخاصا ومطلقا ومقيدا وناسخا ومنسوخا، وهل يعرف ذلك إلا الراسخون في العلم؟ والجواب: إن العلم الإجمالي ينحَلُّ بالعثور على القدر المتيقن من موارد النسخ والتقييد والتخصيص، فتُحكّم في سائر الآيات "أصالة الظهور" التي تقضي بأن ظواهر الكلام حجة إذا لم تقم قرينة على الخلاف، وحيث تنتفي تلك القرينة بالفحص، يكون الظهور حجة بلا إشكال.

وينبغي هنا أن نذكر ملاحظتين:

    إن الآيات التي طرأ عليها التخصيص أو التقييد أو النسخ هي آيات محدودة، ولا يمكن أن نسحب الحكم المنطبق على بعض الآيات على القرآن الكريم ككل1.

    إن أغلب أو كل الآيات التي طرأ عليها التخصيص أو التقييد أو النسخ هي الآيات التي تتناول "الأحكام الشرعية" - كأحكام القتال والطلاق والزنا والعدة وما أشبه، ومن الطبيعي أن الاستنباط من آيات الأحكام ونحوها يختص بالفقهاء والمجتهدين، ولا يحق للرجل العادي أن يستنبط منها. وحديثنا هنا في التدبر في الآيات الأخرى - تلك الآيات التي تتناول القضايا الخلقية والاجتماعية والثقافية - وما أشبه - مما لا يترتب عليه حكم شرعي وليس في آيات الأحكام، فتأمل.

الشبهة الثالثة: الذين أخطأوا في فهم القرآن

لقد أخطأ الكثيرون في فهم الآيات القرآنية، وانحرفوا بذلك عن سواء السبيل، فمن يضمن لنا: عدم الوقوع في الخطأ كما وقعوا هم؟ أليس من الأفضل أن ندفن رؤوسنا في الرمال، ولا ندور حول مواضع الزلل؟

الجواب: لقد وضحنا - بشكل ضمني - فيما سبق أن خطأ البعض في فهم القرآن يعود إلى أحد عوامله التالية:

    تحكيم الأهواء الشخصية في تفسير القرآن.

    التعصب للمسبقات الفكرية المغروسة في أعماق الفرد، وبالتالي تطويع القرآن لهذه الآراء، بدلا من تطويع هذه الآراء للقرآن. ومما يدخل ضمن هذا الإطار: التعصب للأفكار المذهبية الخاطئة، ومحاولة تفسير الآيات القرآنية بشكل يؤيد هذه الأفكار.

    التسرع في اعتناق الأفكار التي تظهر للإنسان في بادئ الرأي، وهدم التدقيق في صحة هذه الأفكار أو سقمها.

    عدم الرجوع إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) في الآيات المجملة أو الآيات المتشابهة - وما شابه، وعدم توفر القاعدة العلمية اللازمة فيما يتوقف على ذلك.

أما عندما يكون الفرد تلميذ القرآن المتواضع، ويكيف أهواءه وأفكاره وفق قيم القرآن ومبادئه وليس العكس، ويتأنى في تقبل ما يخطر على باله من أفكار، ويعود إلى أهل البيت (عليهم السلام) فيما تشابه عليه، ويوفر في ذاته القاعدة العلمية الرصينة فيما يتوقف فهمه على وجود مثل تلك القاعدة، عندئذ تقل نسبة الخطأ في فهم القرآن إلى حدود كبيرة، ويمكن أن تنعدم بالتالي2.

الشبهة الرابعة: القرآن كتاب غامض، فكيف نفهمه؟

يقولون: "القرآن يكتنفه الإبهام والغموض، ففيه غموض في الكلمة، وغموض في المغزى، فكيف نستطيع بعد بذلك أن نفهمه؟ لقد نزل القرآن قبل ألف وأربعمائة عام، وخاطب جيلا قد مات منذ أمد سحيق، فهل تستطيع أجيالنا أن تفهم القرآن الآن؟"

الجواب:

    إن أغلب الآيات القرآنية هي آيات واضحة في الكلمات والمعاني والأهداف، كما قال سبحانه: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر))، وبإمكان أي فرد أن يتصفح القرآن الكريم ليجد هذه الحقيقة ماثلة أمام عينيه.

    ولكن تظل هنالك مجموعة من الآيات غامضة ومبهمة، وذلك يعود إلى ابتعاد أمتنا عن اللغة العربية الأصيلة وليس إلى القرآن ذاته3.

والسؤال الآن هو: كيف نفهم هذه الآيات الغامضة؟

والجواب: هنالك ثلاث طرق:

أ - الرجوع إلى معاجم اللغة، واستخراج معاني الألفاظ منها.

ب - التدبر في السياق العام للآية، واستنباط معنى الكلمة أو الآية من خلال ذلك. ورغم أن السياق ليس عاملا نهائيا وحاسما في فهم الآيات القرآنية، إلا أنه يعيننا كثيرا في هذا المجال (إذا كان بحيث يشكّل ظهورا عرفيا للكلمة أو الجملة)، مثلا: إذا أردنا اكتشاف معنى "حول" في قوله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِين فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا))4 فما علينا إلا أن ننظر إلى سياق الآية الكريمة لكي نكشف أن معنى "حول" هو "التحول" و "الانتقال". أو إذا أردنا فهم "الإملاق" في قوله تعالى: ((وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّن إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم))5 فما علينا إلا أن ننظر إلى الجو العام المحيط بالآية لنعرف أن معناه هو "الفقر" و "الحاجة"، وهكذا.

ج - التفسير: إن لمعرفة الإطار التاريخي الذي هبط فيه الوحي، والمورد الذي نزلت فيه الآية الكريمة الأثر الكبير في فهم معاني الآيات القرآنية والأهداف التي نزلت من أجل تكريسها هذه الآيات، وذلك لأن القرآن نزل بشكل تدريجي، وأكب في الأحداث التي واجهها المسلمون في عهد الرسالة، ولم ينزل على الناس مرة واحدة، ولذلك كان من الطبيعي أن تحمل الآيات طابع الظروف التي هبطت فيها.

وكتب التفسير هي التي تسلط الأضواء على هذه الظروف، وتعطي - بالتالي - الأبعاد الحقيقية للآية الكريمة (بالإضافة إلى الفوائد الأخرى الهامة الأخرى التي تمنحنا إياها كتب التفسير).

هذه كانت أهم الشبهات التي يُتمسك بها للتدليل على عدم جواز - وحتى عدم إمكان - التدبر في الآيات القرآنية، ولقد عرفنا من خلال هذا المبحث إمكان و مشروعية التدبر في القرآن الكريم، ويبقى أن نشرح ضرورة التدبر في القرآن، وهذا ما يتكفل به الفصل القادم - بإذن الله.

التالي

الفهرست

السابق

(1) مجموع الآيات التي ادّعوا نسخها هي 228 آية تقريبا، وقد ذكر في "التمهيد" أن 20 آية منها فقط هي المنسوخة، بينما الـ 208 الباقية ليست منسوخة، (راجع "التمهيد في علوم القرآن" - ج 2 - ص 296 - 404) وإذا قارنا هذه الكمية الضئيلة بمجموع آيات القرآن التي تبلغ عددها (6666) آية - على المعروف - لوجدناها أنها لا تشكل سوى قطرة صغيرة في بحر خضم. ويمكن أن نقول مثل ذلك القول - بشكل تقريبي طبعا - في الآيات المخصصة في الآيات المقيدة
(2) هذا مضافا إلى أن الملاك في صحة المؤاخذة قيام الحجة لا إصابة الواقع، فتدبر
(3) هذا بالغض - طبعا - عن الآيات المتشابهة ونحوها التي يفتقر فهمها إلى التفكير المنطقي السليم وإلى مراجعة روايات أهل البيت (عليهم السلام) وإلى توفر القاعدة العلمية الرصينة
(4) سورة الكهف - (107 - 108)
(5) سورة الإسراء - 

Read More »

وماذا نصنع بهذه الشبهات (2)

0 comments
وماذا نصنع بهذه الشبهات (2)

السابق

الشبهة الثانية: كيف نعرف العام والخاص

والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ؟

إن في القرآن عاما وخاصا ومطلقا ومقيدا وناسخا ومنسوخا، وهل يعرف ذلك إلا الراسخون في العلم؟ والجواب: إن العلم الإجمالي ينحَلُّ بالعثور على القدر المتيقن من موارد النسخ والتقييد والتخصيص، فتُحكّم في سائر الآيات "أصالة الظهور" التي تقضي بأن ظواهر الكلام حجة إذا لم تقم قرينة على الخلاف، وحيث تنتفي تلك القرينة بالفحص، يكون الظهور حجة بلا إشكال.

وينبغي هنا أن نذكر ملاحظتين:

    إن الآيات التي طرأ عليها التخصيص أو التقييد أو النسخ هي آيات محدودة، ولا يمكن أن نسحب الحكم المنطبق على بعض الآيات على القرآن الكريم ككل1.

    إن أغلب أو كل الآيات التي طرأ عليها التخصيص أو التقييد أو النسخ هي الآيات التي تتناول "الأحكام الشرعية" - كأحكام القتال والطلاق والزنا والعدة وما أشبه، ومن الطبيعي أن الاستنباط من آيات الأحكام ونحوها يختص بالفقهاء والمجتهدين، ولا يحق للرجل العادي أن يستنبط منها. وحديثنا هنا في التدبر في الآيات الأخرى - تلك الآيات التي تتناول القضايا الخلقية والاجتماعية والثقافية - وما أشبه - مما لا يترتب عليه حكم شرعي وليس في آيات الأحكام، فتأمل.

الشبهة الثالثة: الذين أخطأوا في فهم القرآن

لقد أخطأ الكثيرون في فهم الآيات القرآنية، وانحرفوا بذلك عن سواء السبيل، فمن يضمن لنا: عدم الوقوع في الخطأ كما وقعوا هم؟ أليس من الأفضل أن ندفن رؤوسنا في الرمال، ولا ندور حول مواضع الزلل؟

الجواب: لقد وضحنا - بشكل ضمني - فيما سبق أن خطأ البعض في فهم القرآن يعود إلى أحد عوامله التالية:

    تحكيم الأهواء الشخصية في تفسير القرآن.

    التعصب للمسبقات الفكرية المغروسة في أعماق الفرد، وبالتالي تطويع القرآن لهذه الآراء، بدلا من تطويع هذه الآراء للقرآن. ومما يدخل ضمن هذا الإطار: التعصب للأفكار المذهبية الخاطئة، ومحاولة تفسير الآيات القرآنية بشكل يؤيد هذه الأفكار.

    التسرع في اعتناق الأفكار التي تظهر للإنسان في بادئ الرأي، وهدم التدقيق في صحة هذه الأفكار أو سقمها.

    عدم الرجوع إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) في الآيات المجملة أو الآيات المتشابهة - وما شابه، وعدم توفر القاعدة العلمية اللازمة فيما يتوقف على ذلك.

أما عندما يكون الفرد تلميذ القرآن المتواضع، ويكيف أهواءه وأفكاره وفق قيم القرآن ومبادئه وليس العكس، ويتأنى في تقبل ما يخطر على باله من أفكار، ويعود إلى أهل البيت (عليهم السلام) فيما تشابه عليه، ويوفر في ذاته القاعدة العلمية الرصينة فيما يتوقف فهمه على وجود مثل تلك القاعدة، عندئذ تقل نسبة الخطأ في فهم القرآن إلى حدود كبيرة، ويمكن أن تنعدم بالتالي2.

الشبهة الرابعة: القرآن كتاب غامض، فكيف نفهمه؟

يقولون: "القرآن يكتنفه الإبهام والغموض، ففيه غموض في الكلمة، وغموض في المغزى، فكيف نستطيع بعد بذلك أن نفهمه؟ لقد نزل القرآن قبل ألف وأربعمائة عام، وخاطب جيلا قد مات منذ أمد سحيق، فهل تستطيع أجيالنا أن تفهم القرآن الآن؟"

الجواب:

    إن أغلب الآيات القرآنية هي آيات واضحة في الكلمات والمعاني والأهداف، كما قال سبحانه: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر))، وبإمكان أي فرد أن يتصفح القرآن الكريم ليجد هذه الحقيقة ماثلة أمام عينيه.

    ولكن تظل هنالك مجموعة من الآيات غامضة ومبهمة، وذلك يعود إلى ابتعاد أمتنا عن اللغة العربية الأصيلة وليس إلى القرآن ذاته3.

والسؤال الآن هو: كيف نفهم هذه الآيات الغامضة؟

والجواب: هنالك ثلاث طرق:

أ - الرجوع إلى معاجم اللغة، واستخراج معاني الألفاظ منها.

ب - التدبر في السياق العام للآية، واستنباط معنى الكلمة أو الآية من خلال ذلك. ورغم أن السياق ليس عاملا نهائيا وحاسما في فهم الآيات القرآنية، إلا أنه يعيننا كثيرا في هذا المجال (إذا كان بحيث يشكّل ظهورا عرفيا للكلمة أو الجملة)، مثلا: إذا أردنا اكتشاف معنى "حول" في قوله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِين فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا))4 فما علينا إلا أن ننظر إلى سياق الآية الكريمة لكي نكشف أن معنى "حول" هو "التحول" و "الانتقال". أو إذا أردنا فهم "الإملاق" في قوله تعالى: ((وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّن إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم))5 فما علينا إلا أن ننظر إلى الجو العام المحيط بالآية لنعرف أن معناه هو "الفقر" و "الحاجة"، وهكذا.

ج - التفسير: إن لمعرفة الإطار التاريخي الذي هبط فيه الوحي، والمورد الذي نزلت فيه الآية الكريمة الأثر الكبير في فهم معاني الآيات القرآنية والأهداف التي نزلت من أجل تكريسها هذه الآيات، وذلك لأن القرآن نزل بشكل تدريجي، وأكب في الأحداث التي واجهها المسلمون في عهد الرسالة، ولم ينزل على الناس مرة واحدة، ولذلك كان من الطبيعي أن تحمل الآيات طابع الظروف التي هبطت فيها.

وكتب التفسير هي التي تسلط الأضواء على هذه الظروف، وتعطي - بالتالي - الأبعاد الحقيقية للآية الكريمة (بالإضافة إلى الفوائد الأخرى الهامة الأخرى التي تمنحنا إياها كتب التفسير).

هذه كانت أهم الشبهات التي يُتمسك بها للتدليل على عدم جواز - وحتى عدم إمكان - التدبر في الآيات القرآنية، ولقد عرفنا من خلال هذا المبحث إمكان و مشروعية التدبر في القرآن الكريم، ويبقى أن نشرح ضرورة التدبر في القرآن، وهذا ما يتكفل به الفصل القادم - بإذن الله.

التالي

الفهرست

السابق

(1) مجموع الآيات التي ادّعوا نسخها هي 228 آية تقريبا، وقد ذكر في "التمهيد" أن 20 آية منها فقط هي المنسوخة، بينما الـ 208 الباقية ليست منسوخة، (راجع "التمهيد في علوم القرآن" - ج 2 - ص 296 - 404) وإذا قارنا هذه الكمية الضئيلة بمجموع آيات القرآن التي تبلغ عددها (6666) آية - على المعروف - لوجدناها أنها لا تشكل سوى قطرة صغيرة في بحر خضم. ويمكن أن نقول مثل ذلك القول - بشكل تقريبي طبعا - في الآيات المخصصة في الآيات المقيدة
(2) هذا مضافا إلى أن الملاك في صحة المؤاخذة قيام الحجة لا إصابة الواقع، فتدبر
(3) هذا بالغض - طبعا - عن الآيات المتشابهة ونحوها التي يفتقر فهمها إلى التفكير المنطقي السليم وإلى مراجعة روايات أهل البيت (عليهم السلام) وإلى توفر القاعدة العلمية الرصينة
(4) سورة الكهف - (107 - 108)
(5) سورة الإسراء - 

Read More »

سورة الحمد - مكية مدنية آياتها 7

0 comments
سورة الحمد - مكية مدنية آياتها 7

السابق

فضل السورة

1. عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: "يا جابر، ألا أعلمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه؟" فقال له جابر: "بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله علمنيها،" فعلمه الحمد أم الكتاب.1

2. عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: "سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ’إن الله عز وجل قال لي يا أحمد ((وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ))2 فافرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم.‘ وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز الله عز وجل خص محمداً وشرفه بها ولم يشرك معه فيها من أنبيائه ما خلا سليمان فإنه أعطاه منها ((بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ))، ألا تراه يحكي عن بلقيس حين قالت: ((إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))3، ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد وآله الطيبين، منقادا لأمرها، مؤمنا بظاهرها وباطنها، أعطاه الله عز وجل بكل حرف منها حسنة، كل واحدة منها أفضل له من الدنيا بما فيها من أصناف أموالها وخيراتها، ومن استمع إلى قارئ يقرؤها كان له قدر ثلث ما للقارئ، فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض لكم فإنه غنيمة، لا يذهبن أوانه فتبقى في قلوبكم الحسرة."4

3. عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ’قال الله عز وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ((بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)) قال الله عز وجل: بدأ عبدي باسمي، وحق عليّ أن أتمم له أموره، وأبارك له في أحواله. فإذا قال: ((الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) قال الله جل جلاله: حمدني عبدي، وعلم أن النعم التي له من عندي، وأن البلايا التي دفعت عنه فبتطولي، أشهدكم أني أضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة، وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا. فإذا قال: ((الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)) قال الله عز وجل شهد لي بأني الرحمن الرحيم، أشهدكم لأوفرن من رحمتي من رحمتي حظه، ولأجزلن من عطائي نصيبه. فإذا قال: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) قال الله جل جلاله: أشهدكم كما اعترف عبدي أني مالك يوم الدين لأسهلن يوم الحساب عليه، ولأتقبلن حسناته، ولأتجاوزن عن سيئاته. فإذا قال: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) قال الله عز وجل: بي استعان، وإليّ التجأ، أشهدكم لأثيبنه على أمره، لأغيثنه في شدائده، ولآخذن بيده يوم نوائبه. فإذا قال: ((اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)) إلى آخر السورة قال الله عز وجل: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل، فقد استجبت لعبدي، وأعطيته ما أمّل، وآمنته عما منه وجل.‘"

Read More »

التجزئة الموضوعية (1)

0 comments
التجزئة الموضوعية (1)
المشكلة الثانية التي يعاني منها بعض أبناء الأمة هي "التجزئة الموضوعية" في فهم القرآن الكريم، فهذه القطاعات تحاول أن تفهم كل آية آية من القرآن؛ بشكل مستقل، بعيداً عن فهم الآيات الأخرى، وكأن كل آية عامل مستقل وقائم بذاته، وقد ترتب على ذلك أمران:

1. الفهم الخاطئ لبعض الآيات القرآنية، فالقرآن "كائن حي" يرتبط بعضه مع بعض، ويتفاعل بعضه مع بعض، ومن هنا لا يستطيع الفرد أن يفهم القرآن بشكل سليم إلا بعد أن يجمع بعضه مع بعض، ويلاحظ التفاعل والارتباط فيما بين أجزائه المتفرقة، ومن هنا جاء في الأحاديث: "إن القرآن يفسر بعضه بعضا."، وجاء: "يشهد بعضه ببعض، وينطق بعضه ببعض."

لقد وجدت - على امتداد التاريخ الإسلامي - مذاهب كثيرة منحرفة مثل: "الصفائية" و"الحشوية" و"المشبهة" و"الكرامية" و"الجبرية"1 وغيرها، وهذه المذهب كانت تستند إلى بعض الآيات القرآنية في دعم أفكارها الخاطئة، وكان الخطأ الذي ارتكبته هذه المذاهب - أو على الأصح جزء الخطأ - هي "النظرة التجزيئية" إلى آيات القرآن، كانوا يجدون آية تتحدث في موضوع معين، وكان ظاهرها يعطي معنى معيناً، فكانوا يتمسكون بذلك المعنى ضاربين بسائر الآيات الواردة في هذا الموضوع عرض الجدار.

هذا في الجانب العقائدي، أما في الجانب العملي، فقد أخطأ البعض في فهم الآيات القرآنية التي تصورها تدعوا إلى الكسل وإلى الجلوس في زوايا البيوت، ذلك لأنهم نظروا إلى هذه الآيات نظرة "أحادية الجانب" ولم يجمعوها مع سائر الآيات القرآنية التي تدعوا إلى العمل والجهاد والتحرك2.

إذن، فالنظرة التجزيئية إلى آيات القرآن الكريم تعني - في كثير من الأحيان - فهم هذه الآيات بشكل خاطئ.

2. الفهم الناقص لـ"الموضوعات القرآنية". فالقرآن الكريم لم يجمع بشكل موضوعي، أي لم يوضع كل موضوع منه في فصل مستقل، بل إن الآيات المتعلقة بموضوع واحد تتقاسمها عشرات السور، ولذلك أصبح ضروريا على كل من يريد أن يخرج بـ"رؤية قرآنية متكاملة" حول موضوع ما أن يمارس "النظرة الشمولية" للآيات المرتبطة بذلك الموضوع.

أما "التجزئة الموضوعية" فهي لا تعطينا إلى رؤية ناقصة، بالإضافة إلى أننا نخسر بسبب ذلك الكثير من المعطيات التي يمنحنا إياها "الفهم الشمولي" حينئذ - كما سنوضح ذلك فيما بعد.

والسؤال - الآن - هو: كيف تقوم بـ"الفهم الموضوعي" للقرآن الكريم؟ والجواب: أن العملية يجب أن تسير في أربعة مراحل:

1. جمع الآيات القرآنية المرتبطة بالموضوع المقصود من مختلف السور القرآنية. أما كيف يتم ذلك، فعن أحد طريقين:

أحدهما: الكتاب الذي ألفه "جول لابم" والذي نسق فيه الآيات حسب مواضيعها تحت عنوان "تفصيل آيات القرآن الحكيم"3 مع ملاحظة ملحقة أيضاً.

ثانيهما: المعجم الذي وضعه "محمد فؤاد عبد الباقي" والذي تناول فيهم الألفاظ القرآنية على أسلوب المعاجم اللغوية تحت عنوان "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم". وأسلوب الرجوع إلى هذا المعجم هو تجريد الموضوع المراد بحثه عن الزوائد الصرفية، ثم البحث عنه في طيات هذا الكتاب، فمثلاً: تبحث عن الزكاة في مادة "ز.ك.و." وعن الصلاة في مادة "ص.ل.و." وعن الصوم في مادة "ص.و.م." وهكذا، وهلم جرا.

2. فرز الآيات وتصنيفها ووضع كل واحدة منها مع الآيات المماثلة لها.

3. ترتيب هذه المجموعات على حسب ما يقتضيه "الإطلاق والتقييد" و"العموم والخصوص" و"التقدم والتأخر"، وغير ذلك.

4. وأخيراً، استنباط الرؤية المتكاملة والنهائية من خلال ذلك.

ولا ننسى أن نؤكد - هنا مرة أخرى - ضرورة الرجوع إلى التفاسير وإلى روايات المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام)

وهنا ينتصب سؤال ليقول: ما هي صور الجمع بين الآيات القرآنية؟ والجواب: هنالك صور عديدة للجمع نذكر منها:

    الجمع التفسيري.

    الجمع الترتيبي.

    الجمع الاستنباطي.

    الجمع الموضوعي.

ولكن كيف؟ دعنا نعرف.

أولا: الجمع التفسيري

ويعني ذلك: كشف المدلول الحقيقي للآية القرآنية من خلال آية أخرى تتعرض إلى الموضوع ذاته، وهنا نستعرض بعض النماذج:

يقول القرآن الكريم: ((اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم،َ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيْهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ))4

نحن نعرف من البداية أن لكل آية مفهوما ومصداقاً، فمفهوم الصراط واضح نعرفه من المعنى اللغوي للكلمة في لسان العرب. فالصراط المستقيم بمعنى الصراط المعبد للسير، والمستقيم بمعنى المعتدل، وأقرب الطرق إلى المقصد. فمفهوم الآية - إذن - واضح لا غبار عليه، ولكن مصداق الآية غير واضح، فلا ندري ما هو الصراط المستقيم الذي يجب أن نسير عليه، ولا ندري من هم الذين أنعم الله عليهم حتى نهتدي بطريقتهم. فغير واضح من الآية واللغة ولسان العرب ما هو الصراط المستقيم. فماذا علينا أن نفعل؟

علينا أن نعرف ذلك من خلال الربط بين هذه الآية والآيات الأخرى ونكتشف مصداق الآية، فلنقرأ في سورة "يس" أية 60 قوله تعالى: ((وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ))، فنعرف أن الصراط المستقيم هو عبادة الله تعالى والتزام منهجه في الحياة العملية والاجتماعية. ونقرأ في آية أخرى قوله تعالى: ((وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا)) (سورة النساء 68)، فنعرف أن المراد من "الذين أنعمت عليهم" هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون5.

والآن لنتساءل: من هم "الضالون"؟ من هم هؤلاء الذين ندعو الله تعالى كل يوم عشر مرات - على الأقل - لكي يبعدنا عنهم؟ من خلال مراجعة الآيات الأخرى نجد أن القرآن الكريم يحدد "الضلال" فيما يلي:

    الكفر بكافة أشكاله وألوانه، وفي ذلك يقول القرآن: ((وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا))6، ((وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا))7، ((وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ))8

    التعدي على حقوق الآخرين وفي ذلك يقول القرآن: ((بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ))9

    الانحراف بكافة ألوانه وأشكاله، وفي ذلك يقول القرآن: ((وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ))10، ((وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا))11،

وهكذا، استطعنا أن نكتشف - من خلال الآيات الأخرى - أن المراد بـ"الضالين" هم المنحرفين فكريا والمنحرفين سلوكياً، والذين يتعدون على حقوق الآخرين.

وهذا ما نطلق عليه "تفسير القرآن بالقرآن"

ثانياً: الجمع الترتيبي

وذلك يعني فرز مجموعة من الآيات وترتيبها ترتيباً منطقياً، ولهذا النوع من الجمع معطيات وفوائد، منها:

1. حل التناقض المتوهم بين الآيات القرآنية، ذلك أننا حين ننظر إلى الآيات بشكل منظم فقد نتصور اختلافا بين مفاهيم هذه الآيات، ولكننا بعد تنسيقها وتنظيمها لا نجد أي اختلاف، بل نجد الأمر من قبيل "الخصوص والعموم" أو "التقييد والإطلاق" أو ما أشبه ذلك، ما نرى مثيلا له حتى في كلماتنا اليومية.

2. فهم "مرحلية" هبوط الأحكام الإلهية، وذلك أن الأمر أو النهي يتعلق بقاعدة أساسية من قواعد التصور الإيماني أي بمسألة اعتقادية، فإن الإسلام يقضي فيها قضاءا حاسماً منذ اللحظة الأولى، ولكن عندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإسلام يتريث فيه، ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدريج، ويهيئ الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة.

والآن إليكم المثال التالي - حسب ما يستفاد من التفاسير:

في مسألة تحريم الخمر، لم يكن الأمر أمر توحيد أو شرك، وإنما كان أمر عادة وأُلف، والعادة تحتاج إلى علاج، ولذلك تدرج القرآن من مرحلة إلى مرحلة حتى وصل إلى التحريم النهائي. وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): "ما بعث الله نبيا قط إلا وفي علم الله تعالى أنه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم يزل الخمر حراماً، وإنما ينقلون من خصلة ثم خصلة، ولو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين." وعنه: "ليس أحد أرفق من الله تعالى، فمن رفقه تبارك وتعالى أنه ينقلهم من خصلة إلى خصلة، ولو حملهم جملة /أي مرة واحدة/ لهلكوا."12

والآن لننظر كيف تدرج القرآن الكريم في تحريمه للخمر:

    في البداية، بدأ القرآن بتحريك الوجدان الديني والمنطق العقلي في نفوس المسلمين، وذلك ببيان أن الإثم في الخمر أكبر من النفع فقال: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا))13، وفي هذا إيحاء بأن تركها هو الأولى.

    ثم جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ))14، والصلاة في خمسة أوقات - أو ثلاثة - متقارب لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة، وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشرب، ولكسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي، إذ المعروف أن المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدر في الموعد الذي اعتاد تناوله، فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرر هذا التجاوز فترة حدة العادة، وأمكن التغلب عليها.

وبعدما تمت هاتان الخطوتان جاء النهي الحازم الأخير بتحريم الخمر في قوله تعالى: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ))15، وعندئذ قال المسلمون: "أجل! لقد انتهينا يا رسول الله." ثم أخذوا يهريقون الخمور في الأزقة حتى جرت فيها.

ثالثا: الجمع الاستنباطي

والجمع الاستنباطي يعني: الجمع بين آيتين من القرآن الكريم أو كثر لاستنباط حكم تشريعي معين أو فكرة معينة. والتراث الذي خلفه لنا الأئمة الطاهرون (عليهم الصلاة والسلام) عني بهذا النوع من الجمع، ولذلك فنقتصر في هذا الفصل على نماذج منه:

أ- عن الدؤلي قال: "رفع إلى عمر امرأة لستة أشهر، فأراد أن يرجمها16، فجاءت أختها إلى علي بن أبي طالب فقالت: "إن عمر رجم أختي، فأنشدك الله إن كنت تعلم أن لها عذراً لمّا /أي: إلا/ أخبرتني به."

فقال علي: "إن لها عذراً."

ثم انطلقت إلى عمر، فقالت: "إن عليا زعم أن لأختي عذراً."

فأرسل عمر إلى علي: "ما عذرها؟"

قال: "إن الله يقول: "((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ))17"، وقال:"(( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا))18"، وقال: "((وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ))19، وكان الحمل هنا ستة أشهر20".

قال الراوي: "ثم إنها ولدت آخر لستة أشهر."21

وهكذا، استطاع الإمام علي (عليه السلام) أن يبين من خلال هذه الآيات - التي قد لا يبدو عند النظرة العابرة وجود أي ترابط فيما بينها - استطاع أن يبين لهم منها حكما عظيماً من أحكام الإسلام، وأن ينقذ امرأة من حكم الرجم.

ب- إن سارقاً اعترف على نفسه بالسرقة، فأحضروه إلى مجلس المعتصم - الملك العباسي - كي يجري عليه الحد، ولكن المعتصم لم يعرف حده، فأحضر فقهاء بغداد وفيهم ابن أبي داود والإمام العظيم محمد بن علي الجواد (عليه السلام)، فسألهم: "من أين تقطع يد السارق؟"

فقال ابن أبي داود من مفصل الكف واستدل بآية التيمم: ((فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ))22، ولكن العلماء الآخرين أطبقوا على قطع اليد من المرفق مستدلين بآية الوضوء: ((فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ))23.

كل ذلك والإمام الجواد (عليه السلام) ساكت لا يتكلم بشيء، حتى التفت إليه المعتصم قائلاً: "ما تقول؟" غير أن الإمام لم يك يريد الرد على هؤلاء، فقال: "قالوا، وسمعت." فتطلع المعتصم إلى رأي جديد يضمره الإمام (عليه السلام)، فألح عليه قائلاً: "لا رأي لي عند هؤلاء، بالله عليك إلا ما حكمت."

فقال الإمام (عليه السلام): "إن النبي أمر توضع المواضع السبعة (التي منها الكفان) في السجود على الأرض، ويقول الله الحكيم: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ))24، فلا تقطع الكف التي هي من المساجد، بل اقطع الأصابع الأربع فحسب."25

وهكذا، استطاع الإمام الجواد (عليه السلام) أن يكشف حدود قطع يد السارق بالجمع بين آيتين كريمتين هما قوله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا))، وقوله تعالى: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)).

ج- عن علي بن يقطين، قال: سئل المهدي /الملك العباسي/ أبا الحسن (عليه السلام) /أي: الإمام موسى الكاظم/ عن الخمر فقال: "هل هي محرمة في كتاب الله؟ فإن الناس يعرفون النهي ولا يعرفون التحريم."

فقال له أبو الحسن (عليه السلام): "بل هي محرمة."

قال: "في أي موضع هي محرمة؟ بكتاب الله يا أبا الحسن؟!"

قال: "قول الله تبارك وتعالى: ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ))26، فأما قوله: ((مَا ظَهَرَ مِنْهَا)) فيعني الزنا المعلن، ونصب الرايات التي (كانت) ترفعها الفواجر في الجاهلية. وأما قوله ((وَمَا بَطَنَ)) يعني: ما نكح من الآباء، فإن الناس كانوا قبل أن يبعث الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان للرجل زوجته، ومات عنها، تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه، فحرم ذلك. وأما (الإثم) فإنها الخمر بعينها، وقد قال الله في موضع آخر: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ))27، فأما الإثم في كتاب الله فيه الخمر والميسر في النرد، وإثمهما كبير."

فقال المهدي: "هذه - والله - فتوى هاشمية!"28.

  التالي

  الفهرست

السابق

(1) للمزيد من التفاصيل راجع "التمهيد" ج 3 - ص 56 - 72
(2) بالإضافة إلى أنهم أخطأوا في فهم نفس تلك الآية
(3) هذا الكتاب منقسم إلى 18 باباً وهي: التاريخ، محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، التبليغ، بنو إسرائيل، التوراة، النصارى، ما بعد الطبيعة، التوحيد، والقرآن، الدين، العقائد، العبادات، الشريعة، النظام الاجتماعي، العلوم والفنون، التجارة، علم تهذيب الأحلاق، النجاح. وتندرج تحت كل باب من هذه الأبواب فصول متعددة
(4) سورة الحمد - 6 - 7
(5) القرآن كتاب حياة - ص 61، 62
(6) سورة النساء - 136
(7) سورة النساء - 116
(8) سورة البقرة - 108
(9) سورة لقمان - 11
(10) سورة ص - 26
(11) سورة الأحزاب - 36
(12) الصافي في تفسير القرآن - المجلد الأول - ص 187 (الطبعة الخامسة)
(13) سورة البقرة - 219
(14) سورة النساء - 43
(15) سورة المائدة - 90، 91
(16) باعتبار أنها ولدت قبل إكمال تسعة أشهر من زواجها، مما أثار ريبة عمر في ارتكابها للفحشاء قبل زواجها
(17) سورة البقرة - 233
(18) سورة الأحقاف - 15
(19) سورة لقمان - 14
(20) فإذا كانت مدة الرضاع أو الفصال - لا فرق - حولين (أي: أربعة وعشرين شهراً)، وكانت مدة الحمل والفصال معاً ثلاثين شهراً، فالنتيجة هي أنه يمكن أن تكون فترة الحمل ستة أشهر فقط.
(21) راجع الغدير - ج 6 - ص 93 (الطبعة الثالثة)
(22) سورة النساء - 43
(23) سورة المائدة - 9
(24) سورة الجن - 18
(25) راجع "العقوبات في الإسلام" - ص 25، 26
(26) سورة الأعراف - 23
(27) سورة البقرة - 219
(28) راجع "البرهان في تفسير القرآن" - المجلد الثاني - ص 14 (الطبعة الثالثة)، وكذلك - أيضا - "الصافي في تفسير القرآن" - المجلد الأول - ص 188 (الطبعة الخامسة)

Read More »