كتاب الجامع لفضائل التوحيد الرسالة الرابعة فتح المجيد فى فضل التوحيد



فتح المجيد فى فضل التوحيد
الجزء الرابع
(4)

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران : 102]
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء : 1]
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) الأحزاب

وبعد :
هذا هو الجزء الرابع من هذه السلسلة المفيدة التى يحتاج إليها عموم وخصوص المسلمين وذلك لأهمية الحديث عن توحيد الله تعالى
وإن كان غرضنا فى هذه السلسة هو الاختصار لأن هذا هو الذى يتناسب مع الناس الآن بسبب انصراف الكثير منهم عن بذل الجهد فى تعلم هذه المسائل الأساسية
لذلك حاولت قدر الاستطاعة مع ذكر الأحاديث الدالة على فضل التوحيد أن أذكر شيئا من فقهها وبعض الفوائد المستفادة من هذه الأحاديث
والله أسأل أن يجعل هذا العمل لوجهه خالصا

التوحيد سبب عصمة المال والدم
والأحاديث الواردة فى فضل التوحيد فيما يتعلق بأنه سبب فى عصمة المال والدم كثيرة ومتنوعة من ناحية الدلالة على ذلك
الحديث السادس
روى البخارى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – "وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا" قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ "تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ "السَّلَامَ"
روى البخارى عن أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ قَالَ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ قَالَ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَ لِي يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ "
وفى رواية عند الإمام أحمد فى المسند عن أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ فَصَبَّحْنَاهُمْ فَقَاتَلْنَاهُمْ فَكَانَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِذَا أَقْبَلَ الْقَوْمُ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ عَلَيْنَا وَإِذَا أَدْبَرُوا كَانَ حَامِيَتَهُمْ قَالَ فَغَشِيتُهُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ وَقَتَلْتُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا مِنْ الْقَتْلِ فَكَرَّرَهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ"قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين


الفوائد المستفادة من الحديث برواياته
الفائدة الأولى :معنى الآية التى نزلت بسبب هذه الحادثة
قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء : 94
قال أبو جعفر: "يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"، يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم"إذا ضربتم في سبيل الله"، يقول: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم  "فتبينوا"، يقول: فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره،  ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حرْبًا لكم ولله ولرسوله"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلَم"،  يقول: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم لست مؤمنًا"، فتقتلوه ابتغاء"عرض الحياة الدنيا"، يقول: طلبَ متاعِ الحياة الدنيا، فإن"عند الله مغانم كثيرة"، من رزقه وفواضل نِعَمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده"كذلك كنتم من قبل"، يقول، كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له  "لست مؤمنًا" فقتلتموه، كذلك كنتم أنتم من قبل، يعني: من قبل إعزاز الله دينه بتُبَّاعه وأنصاره، تستخفُون بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله، بدينه من قومه أن يُظهره لهم، حذرًا على نفسه منهم. وقد قيل إن معنى قوله:"كذلك كنتم من قبل" كنتم كفارًا مثلهم"فمنَّ الله عليكم"، يقول: فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تُبَّاعه. وقد قيل، فمنَّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلم  "فتبينوا"، يقول: فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن التبس عليكم أمرُ إسلامه، فلعلَّ الله أن يكون قد مَنَّ عليه من الإسلام بمثل الذي منَّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان. إن الله كان بما تعملون خبيرًا"، يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم،وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم"خبيرًا"، يعني: ذا خبرة وعلم به،يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قال:"إنيّ مسلم" أو بعد ما شهد شهادة الحق أو بعد ما سلَّم عليهم لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه."اهـ جامع البيان ج9ص72
الفائدة الثانية :هدى النبى – صلى الله عليه وسلم – فى التثبت عند الجهاد والقتال فى سبيل الله
روى البخارى عن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَلَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ"
وعلى ذلك كان – صلى الله عليه وسلم – يربى أصحابه
فكان - صلى الله عليه وسلم- يعلمهم ويربيهم على الأناة والتثبت في دعوتهم إلى الله تعالى ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سيرته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال:الإسلام والهجرة،أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.
فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.
فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم
والدليل على ذلك ما رواه أبو داود والترمذى وأحمد فى المسند واللفظ له
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا وَقَالَ اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ فَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْلِمْهُمْ إِنْ هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ اللَّهَ ثُمَّ قَاتِلْهُمْ"قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم .

الفائدة الثالثة : وجوب الكف عمن قال لا إله إلا الله حتى يتم التبين من أمره
والأصل فى ذلك الحكم بمقتضى الظاهر أما السرائر فالأمر فيها إلى الله وحده
وهذا هو المنهج الشرعى الذى كان عليه الصحابة – رضى الله عنهم –
روى البخارى عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ"
وهذا الأصل ذكره أهل العلم فى عقيدة أهل السنة والجماعة

قال الطحاوى فى عقيدته
"ولا نشهد عليهم بكفر، ولا بشرك، ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى"
قال الشيخ الراجحى تعليقا على كلام الطحاوى
" المعين من أهل القبلة ما نشهد عليه بالكفر نقول: إنه كافر، ولا نشهد عليه بشرك نقول: مشرك، ولا نشهد عليه بنفاق أوبفسق، إلا إذا ظهر منه ما يدل على ذلك، إذا ظهر منه كفر شهدنا له بالكفر، ظهر منه شرك شهدنا له بالشرك، ظهر منه نفاق شهدنا له بالنفاق، ظهر منه فسق شهدنا له بالفسق أما إذا لم يظهر؛ فإننا نكل سريرته إلى الله نجريه على ظاهره وذلك؛ لأنا قد أمرنا بالحكم الظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم، وهذا من قواعد الشريعة العامة، وهو وجوب الحكم بالظاهر والأمر بأن تكل السرائر إلى الله تعالى؛ ولذلك نهى الله عن الظن.
ومن الأدلة على هذا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} ومن رمى أحدا بكفر، أو فسق، أو شرك، أو نفاق بغير دليل، فهو محقر له، ساخر منه، ومن الأدلة قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِن بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ووجه الدلالة أن من رمى إنسانا بكفر، أو فسق بدون شيء ظاهر منه، فهو ظن، والظن منهي عنه، ومن الأدلة قول الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ومن رمى أحدا بكفر، أو فسق، أو نفاق، أو شرك بغير دليل، فقد قفا ما ليس له به علم. نعم."اهـ شرح الطحاوية ج1ص275
يقول الإمام الشافعي: _ وإنما كلف العباد الحكم على الظاهر من القول والفعل، وتولى الله الثواب على السرائر دون خلقه، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: _ {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ {1}اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [المنافقون، آية 1، 2]اهـ  نواقض الإيمان القولية والعملية ص72
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان فى شرح كتاب التوحيد
وعلى هذا فالكفار الأصليون الذين لم يدخلوا في الإسلام إذا قال أحدهم: لا إله إلا الله وجب الكف عنه حتى ينظر هل يلتزم بما دلت عليه هذه الكلمة أو لا يلتزم؟ فإن التزم بذلك وحكم بإسلامه، وإلا لم يفده مجرد قوله: لا إله إلا الله، فمجرد القول لا يكفي، وإنما العبرة بالعمل الذي يتبع العقيدة، والعلم الذي في القلب."اهـ ج1ص241
مسألة :الكافر إذا قال لا إله إلا الله يحكم بإسلامه أم وجب الكف عنه حتى يتبين أمره ؟
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله –
"وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما؟
الراجح لا بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله إلا بحق الإسلام
قال البغوي: الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام،
وأما من كان مقرى بالوحدانية منكرا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله ،
فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فلا بد أن يقول إلى جميع الخلق،
فان كان كفر بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده ومقتضى قوله يجبر أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد وبه صرح القفال واستدل بحديث الباب فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أو أني رسول الله كذا قال وهي غفلة عظيمة فالحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من كل منهما من رواية بن عمر بلفظ "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ويحتمل أن يكون المراد بقوله لا إله إلا الله هنا التلفظ بالشهادتين لكونها صارت علما على ذلك ويؤيده ورودهما صريحا في الطرق الأخرى "اهـ فتح البارى ج12ص279

بيان وتبيان
الكافر الأصلى متى نطق بالشهادتين صار مسلما حكما إلا أن يأتى بناقض من نواقض الإسلام وعلى ذلك دلت الدلائل الشرعية
قال الإمام ابن مندة – رحمه الله –
" ذكر ما يدل على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرم مال قائلها ودمه، وذكر فيه حديث المقداد رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين فقطع يدي، فلما هويت إليه لأضربه قال: لا إله إلا الله، أأقتله؟ أم أدعه؟ قال: "بل دعه"
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: (وقد علم بالاضطرار من دين الرسول -صلى الله عليه وسلم - واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلماً والعدو ولياً، والمباح دمه وماله: معصوم الدم والمال ...)اهـ فتح المجيد ص84
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله
" وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين وعلماء المسلمين فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين سواء كان معطلا أو مشركا أو كتابيا وبذلك يصير الكافر مسلما ولا يصير مسلما بدون ذلك
 كما قال أبو بكر بن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذ قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح يعقل - أنه مسلم فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد"اهـ درء تعارض العقل والنقل ج4ص107
ويقول الإمام ابن الصلاح -رحمه الله- (...وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين ...)اهـ مسلم بشرح النووي ج1ص148
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي - رحمه الله -:
(ومن المعلوم بالضرورة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلماً) اهـ جامع العلوم والحكمص72.
ويقول - أيضاً-: (من أقر صار مسلماً حكماً) اهـ جامع العلوم والحكم ص23
ويقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله-(...وفي حديث ابن عباس من الفوائد [حديث بعث معاذ إلى اليمن]. الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين)اهـ فتح الباري ج13/ص367
تنبيه مهم :
الحكم بالظاهر يتناول جميع الناس من ناحية الأحكام الدنيوية ،بمعنى أن من أظهر الإسلام ولم يتلبس بشئ من الشرك الأكبر فله حكم الإسلام وإن كان كافرا فى الباطن كالمنافقين
وكذلك جنس الكفار الأصليين حكمهم الظاهر أنهم كفار حتى يتبين عكس ذلك ،وإن كان بعضهم يخفى إيمانه
وكذلك جنس المرتدين يحكم عليهم ظاهرا بالكفر وإن كان فيهم الجاهل أو المتأول أو المكره فهؤلاء أمرهم إلى الله فى الآخرة ،وهذا ما فعله الصحابة مع المرتدين بعد وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولا شك أنهم أفقه وأعلم من غيرهم
قال شيخ الإسلام – رحمه الله –
"وإذا كان السلف قد سموا مانعى الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون، ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين؟"اهـ مجموع الفتاوى ج28ص531
وقال شيخ الإسلام أيضا
"وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، إذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة، أو صيام شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق، أو الربا، أو الميسر، أو الجهاد للكفار، أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله .
وقد ثبت فى الصحيحين أن عمر لما ناظر أبا بكر فى مانعى الزكاة قال له أبو بكر : كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التى أوجبها الله ورسوله وإن كان قد أسلم، كالزكاة ؟ ! وقال له : فإن الزكاة من حقها، والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق .
وقد ثبت فى الصحيح من غير وجه أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج وقال فيهم : " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " .
وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء، وأول من قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه وما زال المسلمون يقاتلون فى صدر خلافة بنى أمية وبنى العباس مع الأمراء وإن كانوا ظلمة، وكان الحجاج ونوابه ممن يقاتلونهم . فكل أئمة المسلمين يأمرون بقتالهم .
والتتار وأشباههم أعظم خروجًا عن شريعة الإسلام من مانعى الزكاة والخوارج من أهل الطائف، الذين امتنعوا عن ترك الربا . فمن شك فى قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام، وحيث وجب قتالهم قوتلوا، وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين . كما قال العباس لما أسر يوم بدر : يا رسول الله، إنى خرجت مكرهًا . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله "اهـ مجموع الفتاوى ج28ص546
شبهة والجواب عليها
أما الشبهة :قول بعض العلماء المعاصرين أن المسلم الذى حكم له بالإسلام لو أشرك بالله فظاهره الإسلام حتى تقام عليه الحجة ؟
والجواب :أن هذا الاطلاق لا يجوز فلا بد من التفريق بين الكفر البواح وبين الكفر فى المقالات التى تخفى ،
فمثلا :الذى يسب الله ورسوله – عياذا بالله من ذلك – وهو ينتسب إلى الإسلام ،هل هذا يحتاج أن نقول لا بد من إقامة الحجة عليه حتى يحكم بكفره ؟
وكذلك : المستبدلين لحكم الله تعالى الحاكمين بالقوانين الوضيعة الوضعية المحاربين للشريعة الإسلامية ،هل نقول أمثال هؤلاء يحتاجون إلى إقامة حجة حتى يحكم عليهم بالكفر ؟
وكذلك :الذين يعبدون القبور والمشاهد ،فأينما وجدوا قبرا عبدوه من دون الله ،حتى أن العلماء يسمونهم بعباد القبور ،فهل هؤلاء يتوقف فى كفرهم على مقتضى ما ظهر منهم ؟وهكذا
الفائدة الرابعة :بيان حرمة " لا إله إلا الله "
والدليل على ذلك أن الكافر إذا قالها وجب الكف عنه كما فى نص الحديث
" قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَ لِي يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ "
ولقد استفاد المنافقون من ذلك فقد دخلوا فى الإسلام ظاهرا لحقن دمائهم وأموالهم وأعراضهم
والمراد بالكف عمن قال " لا إله إلا الله "
الكف عنه يعني عدم الاعتداء على دمه وماله عرضه مادام أظهر الدين , فنأخذه بظاهر حاله ؛ فإن كان  باطنه كظاهره فهذا هو المراد , وإن لم يكن كذلك فإننا نحكم عليه بظاهره والله يتولى باطنه


الحديث السابع
عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ :مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ "رواه مسلم
وفى رواية لمسلم أيضا "عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ"مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ "ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ"
عن أبى مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا أَتَاهُ الْإِنْسَانُ يَسْأَلُهُ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي وَقَبَضَ كَفَّهُ إِلَّا الْإِبْهَامَ وَقَالَ هَؤُلَاءِ يَجْمَعْنَ لَكَ خَيْرَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ
قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِلْقَوْمِ "مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ حُرِّمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"
قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم
الفوائد المستفادة من هذا الحديث :
الفائدة الأولى :اشتراط النطق بكلمة التوحيد للقادر المستطيع
لقول النبى – صلى الله عليه وسلم – فى هذا الحديث وغيره " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"
دلالة الإجماع على ذلك :
أجمع أهل السنة والجماعة  على أن النطق بالشهادتين شرط لصحة الإيمان
قال الإمام النووي تعليقاً على حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"
"وفيه أن الايمان شرطه الاقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد جمع ذلك - صلى الله عليه وسلم - بقوله " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به"اهـ شرح صحيح مسلم ج1ص212

وقال أيضاً
" واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذى يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد فى النار لا يكون الا من اعتقد بقلبه دين الاسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق بالشهادتين فإن اقتصر على أحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا ،إلا إذا عجز عن النطق لخلل فى لسانه أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية أو لغير ذلك فانه يكون مؤمنا"اهـ شرح صحيح مسلم ج1ص149
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله  "وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر"اهـ مجموع الفتاوى ج7ص302
وقال أيضاً "فأما الشهادتان" إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها" اهـ مجموع الفتاوى ج7ص609
وقال أيضاً "إن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة، وأن القول من القادر عليه شرط في صحة الإيمان" اهـ الصارم المسلول ص523
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفيعند كلامه على حديث شعب الإيمان
"وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعاً كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعاً، كترك إماطة الأذى عن الطريق.." اهـ شرح الطحاوية ص297
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي:" يدلُّ على أنَّ مَنْ كَمَّلَ الإتيانَ بمباني الإسلام الخمسِ ، صار مسلماً حقَّاً ، مع أنَّ مَنْ أقرَّ بالشهادتين ، صار مسلماً حُكماً ، فإذا دخل في الإسلام بذلك ،أُلزم بالقِيام ببقيَّة خصالِ الإسلام ، ومَنْ تركَ الشَّهادتين ، خرج مِنَ الإسلام" اهـ جامع العلوم والحكم ص18
ويقول الحافظ ابن حجر تعليقاً على حديث " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير.." الحديث
"فيه دليل على اشتراط النطق بالتوحيد"اهـ فتح البارى ج1ص104
والمقصود بالشهادتين كما لا يخفى ليس مجرد النطق بهما، بل التصديق بمعانيهما وإخلاص العبادة لله، والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار ظاهراً وباطناً بما جاء به فهذه الشهادة هي التي تنفع صاحبها عند الله عز وجل، ولذلك جاءت القيود الكثيرة في الأحاديث الصحيحة مثل قوله - صلى الله عليه وسلم " من قال لا إله إلا الله "مخلصاً" من قلبه وفي رواية "صدقاً" وفي رواية "غير شاك"مستيقناً"
إلى غير ذلك مما ذكره العلماء فى شروط الانتفاع بكلمة التوحيد
 قال الامام المروزي (ثم قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس لوفد عبد القيس: " آمركم بالإيمان، ثم قال أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله " فبدأ بأصله والشاهد بلا إله إلا الله هو المصدق المقر بقلبه يشهد بها لله بقلبه، ولسانه يبتديء بشهادة قلبه والإقرار به ثم يثني بالشهادة بلسانه والإقرار به ليس كما شهد المنافقون إذ (قالوا نشهد إنك لرسول الله) والله يشهد إنهم لكاذبون، فلم يكذب قلوبهم أنه حق في عينه، ولكن كذبهم من قولهم، فقال (والله يعلم إنك لرسوله) أي كما قالوا، ثم قال (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) فكذبهم من قولهم، لا أنهم قالوا بألسنتهم باطلاً ولا كذباً، وكذلك حين أجاب النبي صلى الله عليه وسلم جبريل بقوله " الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله " لم يرد شهادة باللسان كشهادة المنافقين ولكن أراد شهادة بدؤها من القلب بالتصديق بالله بأنه واحد) اهـ نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف ج1ص32
قال القرطبي ردا على من زعم أن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان
" قال في " المفهم على صحيح مسلم " :
" باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين ، بل لابد من استيقان القلب"
وهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان ، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده . بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها ، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق ، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعاً "اهـ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ج1ص123
وقال الإمام محمد بن عبد الوهابتعليقاً على قوله صلى الله عليه وسلم " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه، وحسابه على الله "
قال "وهذا من أعظم ما يبين معنى " لا إله إلا الله " فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها بل ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع"اهـ كتاب التوحيد ص17
والمقصود من النقل السابق:التأكيد على أن التلفظ بالشهادتين وحده لا يفي لصحة الإيمان والنجاة في الآخرة ما لم يقترن ذلك بخضوع وانقياد وتصديق وإخلاص على حسب ما جاء في النصوص الأخرى وأجمل عبارة مختصرة يمكن أن تقال بهذه المناسبة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -
قال "قال شيخ الإسلام وغيره : في هذا الحديث ونحوه أنها فيمن قالها ومات عليها ، كما جاءت مقيدة بقوله : " خالصا من قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين " فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة ، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة ، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا ، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، وما يزن خردلة ، وما يزن ذرة " وتواترت بأن كثيرا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها ، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم ، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله ، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال : لا إله إلا الله ، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ولكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال ، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ، وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدا أو عادة ، ولم تخالط حلاوة الإيمان بشاشة قلبه . وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء ، كما في الحديث " سمعت الناس يقولون شيئا فقلته"
وغالب أعمال هؤلاء إنما هي تقليد واقتداء بأمثالهم ، وهم من أقرب الناس من قوله تعالى : . . . { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } ( الزخرف ـ 23 ) .اهـ فتح المجيد ص60-61
واقع مرير
ناطقون بكلمة التوحيد محاربين لها  :
أولا:الليبراليون والعلمانيون والديمقراطيون والاشتراكيون هؤلاء ينطقون بكلمة التوحيد مع محاربتهم لمضمونها
أما من الناحية النظرية:فهم يعلنون ويصرحون بأنهم لا يقبلون إلا بدولة علمانية مع رفضهم لتطبيق الشريعة الإسلامية ،
أما من الناحية العملية: فقد سخّروا جهودهم وأموالهم ووسائل إعلامهم لتطبيق ذلك
فهم بذلك أظهروا كفرهم البواح بل وكفرهم بمضمون ما ينطقون به من كلمة التوحيد
ثانيا :الحاكمون بغير ما أنزل الله – جل وعلا – المستبدلون لشرع الله بالقوانين الوضعية هم فى الحقيقة كافرون بلا إله إلا الله ،لأن معناها كما هو معلوم "لا معبود بحق إلا الله "وؤلاء يعبدون غير الله تعالى فى الحكم والتشريع ،ليس هذا فقط بل مع صدهم الناس عن توحيد الله وحاربة المطالبين بحكم الله وشرعه
ثالثا:عباد القبور الذين يلهجون بكلمة التوحيد ويحسبون أنفسهم من العباد والزهاد وهم فى الحقيقة اتخذوا مع الله تعالى آلهة شتى فكانوا بذلك مضيعين لأعظم معنى لكلمة التوحيد
والفائدة التى نستفيدها :
أن الغرض من النطق بكلمة التوحيد التى يثاب عليها الإنسان ويصبح بها موحد ناجيا فى الدنيا والآخرة هو :تحقيق معنى هذه الكلمة ،وإلا كلمة بدون عمل ظاهر هو الإرجاء المذموم
" تغلغل الفقه الإرجائي في الأمة حتى غدا الإيمان قولا، والتوحيد شعارا، والإسلام إرثا وانتسابا، وصادف هذا الفكر قلوبا خاوية، فاستحكم من القلوب والعقول وفي حياة البشر، وكما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
                                            فصادف قلبا خاليا فتمكنا
فترك الناس الفرائض والواجبات والسنن، واكتفوا بقول: "لا إله إلا الله"، وظنوا أن دينهم محفوظ، وإسلامهم مصون، وإيمانهم لا غبار عليه، فهم يؤمنون برب واحد للكون، لا يعتقدون بالتثليث، ويعرفون أن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، ويؤمنون -على حد زعمهم- باليوم الآخر، والحساب والعقاب، والجنة والنار.
وقد يؤدي بعضهم صلاة الجمعة والعيدين، وقد يصوم البعض، وقد يصوم البعض الآخر شهر رمضان، أو بعض أيام منه، وقد يعتمر البعض الآخر ويحج بيت الله الحرام، ويظنون أنهم على خير، وعلى جادة الطريق.
والكثير ممن ينتسبون لهذا الدين يعتقد النفع والضر بيد بعض الأولياء والصالحين، فيتوسل بهم، ويستغيث، وينذر لهم، ويحلف باسم الواحد منهم، ويظنون أنهم على خير ما داموا يقولون: "لا إله إلا الله".
وقد سرت أحاديث: ? من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة ? ? وأخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله ? وما شابه ذلك حتى سرت هذه الأحاديث في العامة سريان النار في الهشيم، فأتت على الأخضر واليابس.
فظن أكثر المنتسبين إلى الملة أن النطق بالشهادتين يكفي في إثبات صفة الإسلام ودخول الجنان، وإن تركوا الصلوات، وفعلوا المنكرات كالاستهزاء بالله ورسوله وآياته، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، ووالوا أعداء الله من اليهود والنصارى والملحدين، وحكَّموا في الناس الشرائع الكفرية، والقوانين الوضعية الجاهلية، نشأ على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، حتى صار في عُرف العامة ومعتقدهم عند بعض الدعاة أن هذا هو الوضع السليم، والأمر الذي لا يُحتاج إلى وقفة، بل وقفات؛ اللهم إلا بعض الإصلاحات من هنا ومن هناك.
وأصبح الإنكار متوجها على من ينكر ذلك الوضع، أو يضع يده على أصل الداء، أو يحاول أن يهز بعنف هذا السبات الذي هو أشبه منه بالموت، ويوقظ الغافلين الذين هم واقعين في شراك عدو الله إبليس اللعين، يُنكر على من ينكر المنكر، ويدعو إلى عودة الناس إلى ربهم بإخلاص دينهم لله وإسلام وجوههم لربهم، وتخليص حياتهم من الشركيات والوثنيات.
وهذه الرسالة التي بين أيدينا تعالج هذا الأمر، وتدعو إلى أن الإيمان والإسلام قول وعمل، ولا ينفع قول بلا عمل، وإن فُهِمَ من بعض الأحاديث أن القول ينفع دون أن يُقرَن بعمل، وهذا ما لا يكون بإذن الله.
أقول: إن مَنْ فهم ذلك ممن قصر فهمه وقل عقله، فينبغي ألا تُنشَر على مسامعه هذه الأحاديث، وتُحجب عنه، ما دام فهمه يؤدي به إلى غير ما أراد الشرع، وهذا ما فهمه الصحابة وسلف هذه الأمة الصالح، الذين ما إن سمعوا مثل هذه الأحاديث حتى ازدادوا عملا وإقبالا على الله.
أما في القرون المتأخرة اتُخِذت مثل هذه الأحاديث ذريعة إلى ترك التكاليف، والاستهانة بالفرائض، وجرأة على انتهاك الحرمات، حتى وصل الحال بهذه الأمة إلى ما صارت إليه مما لا يخفى على ذي عينين، والله المستعان." اهـ مقدمة كتاب التوحيد لابن رجب لصبرى شاهين ص2-3



الفائدة الثانية :عصمةالمال والدم مقيدة بالكفر بالطاغوت
أو الكفر بالطاغوت قيد وشرط  فى  عصمة المال والدم
والدليل على ذلك قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"
وظاهر الحديث أن الإنسان لا يصير معصوم المال والدم إلا بالأمرين بقول لا إله إلا الله ،والكفر بالطاغوت
الأقوال الواردة فى بيان هذه المسألة :
أولا:قول شيخ الإسلام – محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله
قال " وهذا من أعظم ما يبيِّن معنى (لا إله إلا الله) فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع."اهـ كتاب التوحيد ص17
قال الشيخ على الخضير فى التعليق على كلام شيخ الإسلام
فذكر المصنف في تعليقه على هذا الحديث شروط لاإله إلا الله كالتالي :
1ـ التلفظ بهذه الكلمة وهو ما يسمى القول
2ـ العلم بهذه الكلمة وهو ما سماه المصنف :معرفة معناها
3ـ الإقرار بهذه الكلمة ، فلو قال قائل ما لفرق بين التلفظ والإقرار في كلام المصنف ؟ قيل الفرق بينهما عند الاجتماع أن التلفظ أو القول يُحمل على اللسان والإقرار يُحمل على إقرار القلب وهو ما يسمى أحيانا التصديق(أي تصديق القلب"
4ـ العمل بهذه الكلمة لقول المصنف (ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لاشريك له ) ومعنى العمل هو إفراد الله بالعبادة وترك الشرك
5ـ الكفر بالطاغوت وهو الذي ركز عليه المصنف
"اهـ كتاب الجمع والتجريد في شرح كتاب التوحيد ج1 ص198
ثانيا:قول عبد الرحمن بن حسن صاحب الفتح ص112
"فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكرها المصنف رحمه الله أصلا "اهـ
ثالثا:قول سليمان بن عبد الله صاحب التيسير
قال"أجمع العلماء على معنى ذلك فلابد في العصمة من الإتيان بالتوحيد والتزام أحكامه وترك الشرك"اهـ ص119
وقال أيضا ص121 "أجمع العلماء على أن من قال لااله إلا الله وهو مشرك أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد" اهـ
رابعا:قول الشيخ صالح آل الشيخ
قال " في هذا الحديث بيان التوحيد و شهادة أن لا إلا الله؛ ذلك أن ثمة فرقا بين قول لا إله إلا الله و بين التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله, فالتوحيد و الشهادة أرفع درجة ومختلف عن مجرد القول، وهذا الحديث فيه قيد زائد عن مجرد القول؛ قال عليه الصلاة والسلام (مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ, وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ)
( فيكون الواو تعطف ويكون ما بعدها غير ما قبلها؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، ويكون (كَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ) هذه زيادة على مجرد القول، فيكون قال (لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ) ومع قوله (كَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ) يعني تبرَّأ مما يعبد من دون الله. هذا قول.
( والقول الثاني الواو هنا ليست عاطفة عطف مغايرة شيء عن شيء أصلا، وإنما هي من باب عطف التفسير؛ يعني يكون ما بعدها بعض ما قبلها، كقوله جل وعلا ?مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ?[البقرة:98]
(جِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) بعض الملائكة فعطفهم وخصهم بالذكر، وأظهر اسم جبريل وميكال لبيان أهمية هذين الاسمين وأهمية الملكين؛ لأن أولئك اليهود لهم كلام في جبريل وميكال.
المقصود أن يكون العطف هنا عطف خاصٍ بعد عام أو عطف تفسير؛ لأن ما بعدها داخل في ما قبلها، وهذا تفسير لقوله (لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ).
فيكون إذن (لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ) على هذا القول الثاني متضمنة للكفر بما يعبد من دون الله.
وهذا هو الذي ذكرته لك في معنى البراءة في آية الزخرف (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) قلنا البراءة تتضمن البغض والكفر والمعاداة؛ الكفر بما يُعبد من دون الله، وهذا تفسير ظاهر لكلمة التوحيد.
قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ (مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ, وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْدُونِ اللّهِ) هذا تفسير وهذا الوجه الثاني هو الأظهر والأنسب لسياق الشيخ رحمه الله تعالى؛ بل هو الذي يتوافق مع ما قبله من الأدلة"اهـ كفاية المستزيد بشرح كتاب التوحيد ص79-80
خامسا :قول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله –
" قوله: "وكفر بما يعبد من دون الله"، أي: بعبادة من يعبد من دون الله، قلنا ذلك، لأن عيسى بن مريم كان يعبد من دون الله، ونحن نؤمن به، لكن لا نؤمن بعبادته ولا بأنه مستحق للعبادة، كما قال تعالى: { وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 116].
وفي قوله: "وكفر بما يعبد من دون الله" دليل على أنه لا يكفي مجرد التلفظ بلا إله إلا الله، بل لا بد أن تكفر بعبادة من يعبد من دون الله بل وتكفر أيضاً بكل كفر فمن يقول لا إله إلا الله ويرى أن النصارى واليهود اليوم على دين صحيح، فليس بمسلم، ومن يرى الأديان أفكاراً يختار منها ما يريد، فليس بمسلم، بل الأديان عقائد مفروضة من قبل الله - عز وجل ـ، يتمشى الناس عليها، ولهذا ينكر على بعض الناس في تعبيره بقوله: الفكر الإسلامي، بل الواجب أن يقال: الدين الإسلامي أو العقيدة الإسلامية، ولا بأس بقول المفكر الإسلامي، لأنه وصف للشخص نفسه لا للدين الذي هو عليه."اهـ القول المفيد ج1ص111
وقال أيضا :" ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله".
وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله)، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
قوله: "ومنها: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قال: لا إله إلا الله...." إلخ.
إذاً، فلا بد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال تعالى: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256].
قوله: "وكفر بما يعبد من دون الله". أي: كفر بالأصنام، وأنكر أن تكون عبادتها حقاً، فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ولا أعبد صنماً، بل لا بد أن يقول: الأصنام التي تعبد من دون الله أكفر بها وبعبادتها.
فمثلاً لا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله ولا أعبد اللات، ولكن لا بد أن يكفر بها ويقول: إن عبادتها ليست بحق، وإلا، كان مقراً بالكفر.
فمن رضي دين النصارى ديناً يدنون الله به، فهو كافر لأنه إذا ساوى غير دين الإسلام مع الإسلام، فقد كذب قوله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } [آل عمران: 85].
وبهذا يكون كافراً، وبهذا نعرف الخطر العظيم الذي أصاب المسلمين اليوم باختلاطهم مع النصارى، والنصارى يدعون إلى دينهم صباحاً ومساءاً، والمسلمون لا يتحركون، بل بعض المسلمين الذين ما عرفوا الإسلام حقيقة يلينون لهؤلاء، { ودوا لو تدهن فيدهنون } [القلم: 9]،وهذا من المحنة التي أصابت المسلمين الآن، وآلت بهم إلى هذا الذل الذي صاروا فيه."اهـ القول المفيد ج1ص116
سادسا :قول العلامة عبد الرحمن السعدى – رحمه الله –
" فتبين بذلك أنه : لا بد من اعتقاد وجوب عبادة الله وحده لا شريك له ، ومن الإقرار بذلك اعتقادا ونطقا ، ولا بد من القيام بعبادة الله وحده طاعة لله وانقيادا ، ولا بد من البراءة مما ينافي ذلك عقدا وقولا وفعلا .
ولا يتم ذلك إلا بمحبة القائمين بتوحيد الله وموالاتهم ونصرتهم ، وبغض أهل الكفر والشرك ومعاداتهم ، لا تغني في هذا المقام الألفاظ المجردة ، ولا الدعاوى الخالية من الحقيقة ، بل لا بد أن يتطابق العلم والاعتقاد والقول والعمل ، فإن هذه الأشياء متلازمة متى تخلف واحد منها تخلفت البقية والله أعلم ." القول السديد ص41
سابعا:قول الشيخ عبد الله الغنيمان
" ولهذا يتبين أنه لو قال: لا إله إلا الله وهو يعبد غير الله ويتعلق بغيره، أنها لا تنفعه لا إله إلا الله، وإنما تنفع الذي يقولها عن علم، ويعمل بما دلت عليه، ويكفر بما يعبد من دون الله جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى }[البقرة:256]فبين أن الكفر بالطاغوت واجب متعين على المسلم، والطاغوت كل ما عبد من دون الله، فكل المعبودات من دون الله طواغيت؛ لأن الطاغوت مأخوذ من الطغيان وهو تجاوز الحد، والمخلوقات كلها حدها أن تكون خاضعة ذليلة لله، ما تكون معبودة وما تكون آلهة، فإذا كانت آلهة فقد تعدت حدها، وتجاوزت طورها، فأصبحت من الطواغيت، فالحديث دل على ما دلت عليه الآية من أنه لا بد من الكفر بما يعبد من دون الله، ولا بد من الكفر بالطواغيت كلها، أما إنسان يقول: أنا لا أكفر بالطاغوت ولا أتبرأ منه، وإنما أعبد الله، فهذا لا تفيده عبادته؛ لأن هذا شرط لا بد منه، وإذا قال ذلك فإن ماله ودمه لم يحرم؛ لأنه لم يأت بالعاصم الذي يعصم دمه وماله."اهـ شرح كتاب التوحيد ج1ص121
قال الشيخ على الخضير
"أمور لا يحصل معها الكفر بالطاغوت وهما اثنان:
1ـ الشك في الكفر بالطاغوت ،
2ـ التوقف في الكفر بالطاغوت ،هكذا قال في الفتح – أى فتح المجيد ص115
وفي القرة – أى قرة عيون الموحدين  ص27 ، شك أو توقف ، أما في التيسير – أى تيسير العزيز الحميد  ص119 وفي الإبطال – أى إبطال التنديد  ص30 فقالا شك أو تردد ،والأقرب للمعنى ما قال في الفتح ، لأن شك بمعنى تردد ،
ويتولد مما قال المصنف في الشك والتوقف أشياء هي أشد منهما دلالته من باب أولى من فعلها فانه لم يكفر بالطاغوت وهى :
*ـ الإيمان بالطاغوت ،
*ـ تصحيح الطاغوت ،
*ـ إلزام الناس به
* ـ مدح الطاغوت و أهله ومحبتهم
* ـ فرض الطاغوت وحمايته
* ـ من وآلى وعاد في الطاغوت ،
وهذه أمور تتعلق بالطاغوت ،
وهناك أمور تتعلق بأهل الطاغوت من عدم بغضهم ومعاداتهم والبراءة منهم وتكفيرهم ونحوه ويأتي ذكرها إن شاء الله فيما بعد ،
وفي هذا قضية معاصرة وهى أنه لابد من الكفر بالطواغيت المعاصرة مثل المحاكم القانونية سواء أكانت إقليمية أو محلية أو عالمية ومثل الحكومات الطاغوتية ،ومثل الحكام المشركين والبراءة منهم ومعاداتهم ، والمجالس التشريعية البرلمانية وأمثالها ،ومثل وسائل الإعلام الطاغوتية ومثل الكتب والأحزاب والنوادي الطاغوتية ،
ونحو ذلك كما أشرنا إليه سابقا ولايمكن أن تُسمى دعوة سلفية أو سنية أو منتسبة إلى أهل السنة والجماعة أو الحديث وهى لاتهتم بمسألة الكفر بالطاغوت اهتماما عظيما وتحرر هذه المسالة وتكررها دائما وأبدا ،ليلا ونهارا سرا وعلانية بل لم ترسل الرسل إلا من أجلها (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )،
وما حورب وأبغض الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلّا لما أظهر قضية التوحيد والكفر بالطاغوت وتكفيرهم وجهادهم مع القدرة ، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،ولذا جاء ( في التيسير ص123 وفي الفتح ص113 )وفيه أن الإنسان قد يقول لاإله إلا الله ولا يكفر بما يُعبد من دون الله ،"اهـ الجمع والتجريد ج1ص198-199
قال الشيخ على الخضير أيضا
وقسّم المصنف البراءة إلى قسمين :
1- البراءة من العمل وهو البراءة من الشرك والكفر وهذا فرض لازم . كالبراءة من الديمقراطية ومن البرلمانات ومن الحداثة ومن العلمانية ... الخ .
2- البراءة من العامل وهو الذي أشار إليه المصنف بقول " وأهله " البراءة من المشركين والكفار ، مثل أن تكره وتبغض وتعاد وتكفر العلمانيين والقوميين والحاثيين والرافضة وتبرأ من أعمالهم وتبغضهم وتعاديهم وتخرجهم من الملة .
أما كيف البراءة من هذين القسمين فهىكالتالي :
1- البراءة القلبية وهي أن تبغض المشركين والشرك بقلبك وتكرههم وتتمنى زوالهم كبغض النصارى واليهود والهندوس والشيوعيين والعلمانيين والبراليين والحداثيين والرافضة . وحكم هذا القسم فرض لازم ولا يمكن أن يسقط عن المسلم لأنه متعلق بالقلب والدليل على ذلك حديث أبي مالك الأشجعي : [ من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه ، وحسابه على الله تعالى ] رواه مسلم .وكذلك الآيات التي عن إبراهيم في البراءة من قومه .
2- براء اللسان من الجنس للشرك وأهله بأن تبغض الكفار ودينهم باطل وأنهم كفار .والدليل قوله تعالى : { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } قل : أي بلسانك { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون } وهذا باللسان أنه براء من دينهم.
لكن أقل الفرض ألازم ما تعلق بالجنس والنوع بأن يذكر من الألفاظ ما يدل أنه لا يريدهم ولا يرتاح لهم ونحو ذلك وأنهم على مخالفة أو ضلال ... الخ .
3- براءة الجوارح وذلك بالابتعاد وبمجاهدتهم بالجوارح وتكسير معبوداتهم ومساجدهم الشركية الضرارية وقتلهم ، والدليل قوله تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } . وقوله عليه الصلاة والسلام : [ من رأى منكم منكراً فليغيره بيده .. ] رواه مسلم .وهذا القسم يجب مع القدرة ويسقط مع العجز ."اهـ الوجازة في شرح الأصول الثلاثة ص79
الفائدة الثالثة :تحقيق التوحيد سبب عصمة المال والدم
يؤخذ ذلك من الرواية الثانية
روى مسلم عن أبى  مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ لِقَوْمٍ مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "
قال الشيخ اسماعيل الأنصارى
1-اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادة في الحكم بالإسلام .
2-أنه لا يكف عن قتال المشركين إلا بالنطق بهما , وأما أهل الكتاب فيقاتلون إلى إحدى غايتين : الإسلام ، أو أداء الجزية ، للنصوص الدالة على ذلك .
3-مقاتلة تاركي الصلاة والزكاة .
4-أن الإسلام يعصم الدم والمال ، وكذلك العرض ، الحديث ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ......) الحديث
5-أن الأحكام إنما تجري على الظواهر ، والله يتولى السرائر
6-أنه لا يجب تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بهما ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بما ذكر في الحديث ولم يشترط معرفة الأدلة الكلامية ، والنصوص المتظاهرة بعدم اشتراطها يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي .
7- مؤاخذه من أتى بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة بالحقوق الإسلامية ، من قصاص أو حد أو غرامة متلف ونحو ذلك ."اهـ التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية ص53
أحاديث فى نفس المعنى
جاءت أحاديث متعددة كلها تدل على سبب عصمة المال والدم والعرض ،ودلالتها أيضا على إباحة وقتال التاركين للتوحيد والفرائض ،ومن هذه الأحاديث :
روى مسلم عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ"
وروى مسلم أيضا عَن جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
روى البخارى عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ قَالَ عُمَرُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ"
روى النسائى عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ وصحيح سنن النسائي
وروى مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ"
عن أوس بن حذيفة - رضي الله عنه - قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وَفْدِ ثقيف ، فكُنتُ معه في قُبَّةٍ ، فنام مَن كانَ في القُبَّةِ ، غَيْرِي وغَيْرَهُ ، فجاءَ رجل فسارَّهُ ، فقال: اذهَبْ فاقْتُلهُ. ثم قال : أيشْهَدُ أن لا إله إلا الله ، وأنّي رسول الله ؟ قال : إنّه يقولها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ذرْهُ ». ثم قال : « أُمِرْتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا: لا إله إلا الله ، فإذا قالوها ، حَرُمَتْ دماؤُهم وأموالهم إلا بحقِّها».
وفي أخرى : دَخَلَ علينا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن في قُبَّةٍ في مسجد المدينَة ، وقال: « إنَّهُ أُوحِيَ إليَّ أن أقاتلَ الناسَ حتّى يقولوا : لا إله إلا الله ».وذكر نحوه. أخرجه النسائي.
عن عبيد الله بن عدي بن الخيار - رضي الله عنه - قال : بَيْنَما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، جالِسٌ بين ظَهْرَيْ النّاس ، إذ جاءَهُ رجلٌ ، فَسارَّهُ ، فلم نَدْرِ ما سارَّه ، حتَّى جَهَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذَا هو يَسْتَأْذِنُهُ في قَتْلِ رَجُلٍ من المنافقين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حين جهَرَ : « ألَيْسَ يَشْهدَ أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّدًا رسول الله ؟ » فقال الرَّجل : بلى ! ولا شهادَةَ له ، قال : « أليس يُصلِّي ؟ » قال : بلى ! ولا صلاة له ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم ». أخرجه « الموطأ ».


مسألة :فى قتال من امتنع عن فريضة من فرائض الله تعالى
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله –
" قال المهلب :من امتنع من قبول الفرائض نظر فإن أقر بوجوب الزكاة مثلا أخذت منه قهرا ولا يقتل فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع
قال مالك في الموطأ :الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده
قال بن بطال :مراده إذا أقر بوجوبها لا خلاف في ذلك قوله :وما نسبوا إلى الردة أي أطلق عليهم اسم المرتدين
قال الكرماني :ما في قوله وما نسبوا نافية كذا قال والذي يظهر لي أنها مصدرية أي ونسبتهم إلى الردة وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي أورده كما سأبينه
قال القاضي عياض وغيره :كان أهل الردة ثلاثة أصناف
1- صنف عادوا إلى عبادة الأوثان
2- وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسي وكان كل منهما ادعى النبوة قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فصدق مسيلمة أهل اليمامة وجماعة غيرهم وصدق الأسود أهل صنعاء وجماعة غيرهم فقتل الأسود قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بقليل وبقي بعض من آمن به فقاتلهم عمال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلافة أبي بكر وأما مسيلمة فجهز إليه أبو بكر الجيش وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه  
3- وصنف ثالث استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم الذين ناظر عمر أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب
وقال أبو محمد بن حزم في الملل والنحل انقسمت العرب بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - على أربعة أقسام
1- طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته وهم الجمهور
2- وطائفة بقيت على الإسلام أيضا إلا أنهم قالوا نقيم الشرائع إلا الزكاة وهم كثير لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى
3- والثالثة أعلنت بالكفر والردة كأصحاب طليحة وسجاح وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد
4- وطائفة توقفت فلم تطع أحدا من الطوائف الثلاثة وتربصوا لمن تكون الغلبة فأخرج أبو بكر إليهم البعوث وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود وقتلوه وقتل مسيلمة باليمامة وعاد طليحة إلى الإسلام وكذا سجاح ورجع غالب من كان ارتد إلى الإسلام فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام ولله الحمد"اهـ فتح البارى ج12ص276
وقال الحافظ ابن حجر أيضا
"اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة
قوله "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" يجوز تشديد فرق وتخفيفه
والمراد بالفرق: من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدا أو مانعا مع الاعتراف وإنما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز تغليبا وانما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا قاتلهم"اهـ فتح البارى ج12ص277          
قوله " ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال"
فكيف بمن امتنعوا عن توحيد الله تعالى ونصبوا لمحاربة الموحدين المنادين المطالبين بتحكيم شرع رب العالمين ؟
فائدة :المراد بتحقيق التوحيد
قال الشيخ على الخضير :
" أن تحقيق التوحيد هو الاعتناء بفعل المستحبات المتعلقة بالتوحيد، وترك المنهيات المتعلقة بالتوحيد، كما أن تحقيق الإيمان هو فعل المستحبات المتعلقة بالإيمان وترك المنهيات المتعلقة بالإيمان ومثل تحقيق الصلاة وهو فعل المستحبات المتعلقة بالصلاة وترك المنهيات المتعلقة بالصلاة وهكذا تحقيق الصيام والزكاة وبقية الأركان وشعب الإيمان ، وأما معنى ترك المنهيات في التوحيد أي ترك شوائب الشرك وشعبه ، وأما معنى تحقيق المستحبات في باب التوحيد فإن كل نوع من أنواع التوحيد له أصل لابد منه وله واجب يتم به كماله الواجب وله مستحب يتم به كماله المستحب ، وهذا الأخير هو الذي نسميه هنا تحقيق التوحيد فمثلا :
1ـ التوكل نوع من أنواع التوحيد له أصل وهو الاعتماد على الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ،وله واجب وهو عدم الاعتماد على الأسباب كما سوف يأتى إن شاء الله توضيحه في بابه ،وله تحقيق وهو عدم التعلق بغير الله وعدم الافتقار إلى غير الله أو التذلل إلى أحد من خلق الله ،وهذا الأخير هو المقصود بهذا الباب وهذا فيه نوع شرك كما قال ابن تيمية
2 ـ مثله نوع الخوف له أصل وواجب وتحقيق كمال مستحب ،فالأصل أن لا تخاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ،والواجب أن لا يترك واجبا أو يفعل محرما خوفا من الناس ،وله تحقيق في ترك منهيات هذا النوع وهو تعلق قلبه بغير الله خوفا فتترك من أجله المستحب أو تفعل المنهي ونحو ذلك والأخير هو تحقيق التوحيد في باب الخوف ،وهكذا في باب المحبة وفي باب الطاعة والرجاء وفي كل نوع من أنواع التوحيد ،ومثله في الألفاظ فيُحقق التوحيد في ألفاظه وعباراته ،ومثله باب العبادات العملية مثل الذبح لله ونحوه فالتحقيق فيه أن تبلغ الغاية في الإخلاص ، وفي الطاعات لا ترجو جزاء ولا شكورا ولا أي حظ من حظوظ النفس أو الدنيا ،هذا التحقيق في هذا المجال 0هذا بالنسبة للتوحيد باعتبار أفراد أنواع التوحيد كالتوكل والمحبة والخوف 0000الخ ،
أما التحقيق باعتبار لوازم التوحيد وتوابعه فمثلا ما يتعلق بالموحدين وما يتعلق بضدهم وهم المشركون ،فالتحقيق في الموحدين فعل ما أُمر به من نصرتهم وموالاتهم وإعانتهم وهكذا ،وهذا له أصل وواجب وتحقيق ،
ومثله بالنسبة للمشركين والبراء منهم له أصل وواجب وتحقيق ،فالأصل بغضهم ومعاداتهم والبراء منهم وتكفيرهم وهذا من أصول التوحيد ،وله واجب مثل التصريح بكفرهم مع القدرة ،وله تحقيق هو الذي ذكره المصنف هنا مثل الابتعاد عنهم وهَجرهم وعدم تكثير سوادهم وهكذا
وهكذا بالنسبة للطاغوت نفس الخطوات السابقة
ومثله مسألة الشرك فله أصل وهو ترك الشرك الأكبر لا يصح التوحيد إلا بذلك ،وله واجب وهو ترك الشرك الأصغر ،وله تحقيق وهو ترك شوائب الشرك كما قال الحفيد عبد الرحمن على التفصيل السابق ،وكما نقلنا من كلام ابن تيميه 0ومنها البدع والمعاصي المتعلقة بالشرك لها أصل وواجب وتحقيق كما سبق" اهـ الجمع والتجريد ج1ص82-83

الخلاصة :
1- من فضائل التوحيد :عصمة المال والدم والعرض
2- ومن فضائل التوحيد: أنه سبب الجهاد فى سبيل الله
3- من فضائل التوحيد :استفادة المنافقين من إظهارهم للتوحيد بحقن دمائهم وأموالهم
4- من فضل التوحيد :قتال من امتنع عن حقوق التوحيد فكيف بمن امتنع عن ذات التوحيد 
ومن الامتناع عن التوحيد المبيح للمال والدم :اتباع شريعة ومنهج بخلاف شريعة الله ومنهاجه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –
" ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام ، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب ، كما قال تعالى { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا "
[ مجموع الفتاوى 28 / 524 ].
فيدخل فى ذلك أتباع دين العلمانية والديمقراطية وجميع المناهج الأرضية المصادمة لدين وشريعة رب البرية
ومن الامتناع عن التوحيد المبيح للمال والدم :تبديل وتغيير الشرع الإسلامى بأى شرع وضعى من عند البشر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله
" ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعا ، فشرعه باطل لا يجوز اتباعه، كما قال تعالى { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } ، ولهذا كفر اليهود والنصارى لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ [ مجموع الفتاوى 35 / 365 ]
وقال – رحمه الله :
" مثل أن يقال : نسخ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر ، فهذا الكلام ونحوه حق لاشيء على قائله " [ مجموع الفتاوى 35 / 200 ]
فيدخل فى ذلك جميع الأنظمة الحاكمة فى الدول المنتسبة للإسلام التى تحكم بشريعة البشر مع تنحيتهم لشريعة خالق البشر
ومن الامتناع عن التوحيد المبيح للمال والدم الحكم بأى شريعة بخلاف شرع الله تعالى وإن كانت هذه الشريعة من الشرع المبدل الذى له أصل
قال ابن حزم الأندلسي – رحمه الله :
" لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ ، وأن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام " [ الإحكام في أصول الأحكام 5 / 162 ]
قال ابن القيم – رحمه الله -
"وقد جاء القرآن ، وصح الإجماع بأن دين الإسلام نسخ كل دين كان قبله ، وأن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل ، ولم يتبع القرآن ، فإنه كافر ،وقد أبطل الله كل شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل ، وافترض على الجن والإنس شرائع الإسلام ، فلا حرام إلا ما حرمه الإسلام ، ولا فرض إلا ما أوجبه الإسلام " [ أحكام أهل الذمة 1 / 259 ]
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في كلامه عن الياسق :
" وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ، قال تعالى { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ، وقال تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } [ البداية والنهاية 13 / 119 ]
ومن الامتناع المبيح للمال والدم الامتناع عن حقوق التوحيد
قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى
" كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة مع شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه ، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين ، وملتزمين بعض شرائعه ، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة ، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما ، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام ، عملا بالكتاب والسنة ... فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات ، أو الصيام ، أو الحج ، أو عن التزام تحريم الدماء ، والأموال ، والخمر ، والزنا ، والميسر ، أو عن نكاح ذوات المحارم ، أو عن التزام جهاد الكفار ، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب ، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء " [ مجموع الفتاوى 28 / 502 ]
وقد نقل الإجماع على ذلك فى أكثر من موضع
قال :
" كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين. فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا ، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة ، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق ، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش ، أو الزنا ، أو الميسر ، أو الخمر ، أو غير ذلك من محرمات الشريعة ، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة ، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى إن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، وكذلك إن اظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها " [ مجموع الفتاوى 28 / 510 ]
والحمد لله رب العالمين

0 comments:

welcome to my blog. please write some comment about this article ^_^