Showing posts with label قسم الفساتين. Show all posts
0 comments
فهم التجزيئي للقرآن

السابق

النظرة النصفية إلى الشيء - أي شيء كان - لا تعكس حقيقة ذلك الشيء ككل، وذلك لأن النصف سيظل نصفاً، ومن هنا فهو ليس مخولا أن يحكم على الكل. بل إن النظرة النصفية قد تجني أحيانا على الكل، وتحول الأمر إلى ضده، فاللوحة الزيتية الجميلة التي رسمتها يد فنان ماهر قد تتحول إلى منظر بشع عندما نغطي نصفها بالمنديل، والطبيب الذي لم يستوعب إلا نصف الطب قد يقع في أخطاء قاتلة تلقي بالذين يراجعونه بين أنياب الموت، ولذلك قيل: "أحيانا يكون الجهل المطلق خيراً من الفهم الناقص".

وعندما نجزئ كلمة "لا إله إلا الله" ونقتصر على المقطع الأول فإن شعار الإيمان هذا يتحول إلى كلمة كفر، وهكذا يكون نصف الشيء ضد ذاته في كثير من الأحيان.

ولقد أصاب القرآن الكريم ما أصاب غيره من "الفهم النصفي" و "النظرات التجزيئية"، فتحول إلى أشلاء مبعثرة ومقاطع متفرقة لا يرتبط أحدها بالآخر، بل ويتناقض بعضها مع البعض الآخر أحياناً.

وماذا يحدث عندما نأخذ الجسم الحي ونحوله تحت ضربات المبضع إلى أجزاء متفرقة؟ ألا يعني ذلك تعطيله عن العمل؟ هذا هو - بالضبط - ما حدث للقرآن الكريم حينما فرقناه شيعاً، وفصلنا بين آياته.

ورغم أن الأئمة الطاهرين (عليهم أفضل الصلاة السلام) أكدوا على ضرورة الفهم الشمولي للقرآن فقالوا: "إن القرآن يفسر بعضه بعضا." وقالوا كذلك: "يشهد بعضه على بعض، وينطق بعضه ببعض." رغم ذلك فإن البعض أخذوا يفهمون الآيات بشكل مجزأ بعيداً عن الآيات الأخرى، بل - في بعض الأحيان - أخذوا يجزئون الآية الواحدة لكي يستنبطوا منها مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد تجلى "الفهم التجزيئي" للقرآن في المظاهر التالية:

فصل الجملة القرآنية عن السياق

للسياق أثر كبير على مقصود دلالة المتكلم، ونقصد بـ"السياق": الجو العام الذي يحيط بالكلمة وما يكتنفها من قرائن وعلامات.

إن الكلمة الواحدة والجملة الواحدة قد تحمل مدلولين متناقضين تماماً دون أن تختلف الكلمة في بنائها الداخلي، وإنما الذي تغير هو السياق والقرائن المحيطة. فقد يقول الأب لابنه: "افعل الأمر الفلاني" وهو يقصد المعنى الظاهري لهذه الكلمة، وقد يستخدم نفس الكلمة ويقصد بها التهديد الذي نستطيع اكتشافه من خلال القرائن، وهنا ينقلب معنى "افعل" إلى معنى مناقض تماماً - هو: "لا تفعل."

وهذا هو - بالضبط - ما ينطبق على القرآن الكريم، فقد يستخدم القرآن صيغة الأمر ويقصد بها مدلولها الظاهر عندما يقول: ((أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ))1، وقد يقصد بها الإباحة عندما يقول: ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ))2 عقيب الحظر في قوله: ((لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ))3، وقد يقصد التهديد عندما يقول: ((فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ))4، وقد يقصد التعجيز والتحدي عندما يقول: ((فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ))5 أو عندما يقول على لسان نبي الله هود (عليه السلام) مخاطبا قومه الكافرين: ((فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ))6، وهكذا وهلم جرا.

لقد استخدمت هذه الآيات جميعا في صيغة الأمر: "أقم"، "فاصطادوا"، "فاعبدوا"، "فأتوا"، "فكيدوني" فما الذي جعلها تعطي مدلولات مختلفة بل ومتناقضة أيضا؟ إنه السياق القرآني والقرائن الخارجية.

ونحن نجد المسلمين الأولين ربما كان يستطيعون أن يحددوا مدلول كلمة معينة أو آية معينة في القرآن من خلال سياقها العام، ففي الحديث أن أحد الصحابة قرأ على المنبر قوله تعالى: ((فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا))7، ثم أردف: "كل هذه عرفنا، فما الأب؟" ثم حرك عصى كانت في يده، وقال: "هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب؟" وأضاف موجهاً إلى الجماهير: "اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب واعملوا به، وما لم تعرفه فكلوه إلى ربه."8 وقد نقل أن علياً (عليه السلام) جاء بعد ذلك، وقال: "إن معنى اللفظ في الآية ذاتها، لأن الله يقول: ((وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ))، فالفاكهة لكم، والأب لأنعامكم."9 وهكذا كشف الإمام علي (عليه السلام) للناس معنى الأب من خلال السياق القرآني.

وفي حديث آخر أن عمر مر يوماً بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن، فاستقه، فخلط له الفتى الماء بعسل وقدمه إليه، فلم يشربه، وقال: "إن الله تعالى يقول: ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا))" فقال له الفتى: "إنها ليست لك، ولا لأحد من أهل القبلة. أترى ما قبلها: ((وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا))10،" فقال عمر: "كل الناس أفقه من عمر."11

لقد تصور عمر أن هذه الآية تنهى المؤمنين عن تناول الطيبات، وتدعوهم لتأجيلها إلى الآخرة، وتؤكد أن الذين يعجلون بالطيبات في هذه الحياة ليس له منها نصيب في الآخرة، وكان هذا التصور نابعاً من تجزيئه للآية الكريمة. ولكن الفتى الأنصاري استطاع أن يفهم أن المراد "أنه يقال للكافرين حين عرضهم على النار: لقد أنفذتم الطيبات التي /كنتم/ تتلذذون بها في حياتكم الدنيا /و المراد بالطيبات: المعاصي والذنوب ولذلك عبر القرآن بـ"طيباتكم"/ فلم يبق لكم شيئا تتلذذون بهم في الآخرة."12، ولم يكن الأنصاري ليستطيع أن يدرك المعنى إلا من خلال ملاحظته لسياق هذه الآية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر استطاع بعض المسلمين أن يكتشفوا ترابط بعض الآيات من خلال ملاحظة السياق القرآني:

لقد سمع أحد العرب رجلاً يتلو أية هكذا: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم."

فقال الإعرابي: أخطأت.

قال: وكيف؟

قال: إن المغفرة والرحمة لا تناسبان قطع يد السارق.

فتذكر الرجل الآية، وقال: ((وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))13، فقال الإعرابي: نعم، بعزته أخذها، وبحكمته قطعها14.

من كل ذلك نستطيع أن نكتشف أن "السياق القرآني" هو عامل مهم في فهم القرآن الكريم عندما يكون مؤشراً في صناعة الظهور اللفظي للكلمة أو الجملة، وأن المسلمين الأولين استطاعوا أن يستفيدوا من هذا العامل في فهم أو تفهيم الآية القرآنية.

وجاءت أجيال أخذت تفصل بين الجملة القرآنية وبين السياق، لتستنتج من ذلك - عن علم أو جهل - مفاهيم تتنافى مع أبسط مبادئ الدين. هذه الأجيال أخذت تفسر القرآن على طريقة من يستدل على عدم وجوب الصلاة بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ))، وقد ترتب على ذلك مضاعفات في مجالات مختلفة، ونذكر منها ما يلي:

    مجال العمل والتحرك.

    مجال العقيدة والإيمان.

    مجال فهم "الكلمة" القرآنية.

ولكن كيف؟ دعنا نعرف.

أولا: في المجال العملي

يقول القرآن الكريم: ((وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ))15.

هذه المقطوعة من الآية أصبحت شعاراً للمتقاعسين الذين يريدون التهرب من مسؤوليات العمل والتضحية، ولكن دعنا نلقي نظرة على سياق هذه الآية لكي نفهم ما هو المقصود. يقول القرآن الكريم: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ، الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))16.

فقد جاءت هذه الآية في سياق آيات تحث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، ذلك لأن الجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال، ورغم أن كل مسلم مجاهد كان يجهز نفسه بعدة القتال ومركب القتال وزاد القتال إلا أن كثيراً من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد لم يكونوا يجدون ما يزودون به أنفسهم ولا ما يتجهزون به من عدة الحرب ومركب الحرب، وكانوا يجيئون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يطلبون منه أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد، الذي لا يبلغ على الأقدام، فإذا لم يجد ما يحملهم عليه ((تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ)) كما يحكي عنهم القرآن.

ومن أجل هذه كثرت التوجيهات القرآنية إلى الإنفاق في سبيل الله: الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة الإنفاق في معظم المواقع، وعقيب هذه الدعوة يؤكد القرآن على أن عدم الإنفاق في سبيل الله يعني: إلقاء النفس في التهلكة، ذلك أن البخل يسبب تضعضع الجبهة الداخلية للمؤمنين وبالتالي انتصار الأعداء عليهم وإبادتهم ماديا ومعنوياً.

ثم يطالب القرآن الأمة المؤمنة بالمزيد من البذل والعطاء حين يقول: ((وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))، إذن، فالسياق - هنا - يؤكد أن المراد من التهلكة هي: التهلكة التي تنبع من عدم الإنفاق، فتأمل.

ثانيا: في المجال العقائدي

يقول القرآن الكريم: ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ))17. من خلال هذه المقطوعة من الآية وآيات أخرى غيرها يحاول "التجزيئيون" أن يفهموا أن لله تعالى وجهاً وعيناً ويداً وساقاً إلى غير ذلك من الأعضاء والجوارح18. ولكن هل هو صحيح ما يفهمون؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد أن نوضح حقيقة هامة هي: أن لليد استعمالات مختلفة فبعضها حقيقي وبعضها غير حقيقي، والسياق الظهوري هو الذي يستطيع أن يبين المعنى المقصود.

مثلاً: إذا سمعت شخصاً يسأل زميله قائلاً: "ما فعلت الشرطة بفلان؟" فأجاب: "غلّوا يده وراء ظهره، وأدخلوه السجن،" فما الذي تفهم من كلمة "اليد" هنا؟ لا شك أنك تفهم المعنى الحقيقي لليد، أي تلك القطعة المكونة من لحم وعظم والمتصلة بالذراع.

أما لو سأل أحدهما من الآخر عن جود فرد معين، فأجابه بأن يده مغلقة أو مغلقة أو مغلولة إلى عنقه، فهل تفهم من ذلك أن هنالك مرضاً في يديه لا يدعه يفتحها، أو أن هنالك حبلا يربط يديه إلا عنقه؟ أو عندما يقول القرآن: ((وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ))19 فهل تُجَمّد على ظاهر اللفظ بعيداً عن اللفظ العربي الدقيق، وتجعل المعنى: ولا تشد يديك إلى رقبتك كالكسير، ولا تمدهما إلى طرفيك أفقياً كلاعب رياضة، أم أنك تفهم أن "غل اليد إلى العنق" و "بسط اليد" تعبيران غير حقيقيين يقصد منهما البخل والإسراف؟

وإذا اتضحت هذه الحقيقة نقول: إن سياق هذه الآية الكريمة يكشف لنا أن "اليد" هنا لم تستعمل بمعناها الحقيقي، بل هي مجرد تعبير غير حقيقي يقصد به التعبير عن مدى جود الله وكرمه في قبال أولئك اليهود الذين اتهموا الله بالبخل والذين جاءت هذه الآية الكريمة للرد عليهم.

والآن تعالوا نلقي نظرة شمولية على هذه الآية الكريمة: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء))20، فماذا نفهم؟ هل نفهم المعنى الحقيقي لكلمة "اليد" أم أننا نفهم المعنى غير الحقيقي الذي يعني: الجود والعطاء؟

الحكم متروك للقراء الكرام.

ثالثاً: في مجال فهم الكلمة القرآنية

يقول الله تعالى: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ))21.

ربما يرجح كون "النجم" في هذه الآية الكريمة بمعنى ما نجم أي طلع من النبات على غير ساق، وهو خلاف الشجر، لأن المعنى هو الذي ينسجم مع السياق القرآني، فعندما نفسر "النجم" هنا بأنه ما لا ساق له من النباتات يكون الارتباط واضحاً بينه وبين "الشجر" - باعتبار أن "النجم" هو النبات الضئيل و"الشجر" هو النبات الكبير الحجم. بعكس ما لو فسرنا النجم بـ"الكوكب"، فتأمل.

إلى هنا نكون قد انتهيا من البحث الأول من بحوث "الفهم التجزيئي للقرآن"، وكان يدور حول فصل الجملة القرآنية عن السياق. وتبقى - هنا - ملاحظتان:

الأولى: أن "السياق القرآني" - وإن كان عاملاً هاماً في فهمنا لمعاني القرآني <القرآن> إلا أنه يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع العوامل الأخرى المساعدة على فهم الآيات الكريمة من التفاسير والروايات وموارد نزول الآيات وما أشبه.

الثانية: في حالة تعارض الروايات الصحيحة مع "السياق القرآني" المتصور تقدم الروايات بالطبع، وذلك لأن السياق لا يشكل أكثر من "ظهور" للجملة، ومن الواضح أن الظهور يمكن التصرف فيه بالقرائن المنفصلة التي تكشف عن كون الإرادة الجدية غير مطابقة للإرادة الإستعمالية، وتفصيل الكلام في ذلك موكل إلى "علم الأصول".

Read More »

فهم التجزيئي للقرآن

0 comments
فهم التجزيئي للقرآن

السابق

النظرة النصفية إلى الشيء - أي شيء كان - لا تعكس حقيقة ذلك الشيء ككل، وذلك لأن النصف سيظل نصفاً، ومن هنا فهو ليس مخولا أن يحكم على الكل. بل إن النظرة النصفية قد تجني أحيانا على الكل، وتحول الأمر إلى ضده، فاللوحة الزيتية الجميلة التي رسمتها يد فنان ماهر قد تتحول إلى منظر بشع عندما نغطي نصفها بالمنديل، والطبيب الذي لم يستوعب إلا نصف الطب قد يقع في أخطاء قاتلة تلقي بالذين يراجعونه بين أنياب الموت، ولذلك قيل: "أحيانا يكون الجهل المطلق خيراً من الفهم الناقص".

وعندما نجزئ كلمة "لا إله إلا الله" ونقتصر على المقطع الأول فإن شعار الإيمان هذا يتحول إلى كلمة كفر، وهكذا يكون نصف الشيء ضد ذاته في كثير من الأحيان.

ولقد أصاب القرآن الكريم ما أصاب غيره من "الفهم النصفي" و "النظرات التجزيئية"، فتحول إلى أشلاء مبعثرة ومقاطع متفرقة لا يرتبط أحدها بالآخر، بل ويتناقض بعضها مع البعض الآخر أحياناً.

وماذا يحدث عندما نأخذ الجسم الحي ونحوله تحت ضربات المبضع إلى أجزاء متفرقة؟ ألا يعني ذلك تعطيله عن العمل؟ هذا هو - بالضبط - ما حدث للقرآن الكريم حينما فرقناه شيعاً، وفصلنا بين آياته.

ورغم أن الأئمة الطاهرين (عليهم أفضل الصلاة السلام) أكدوا على ضرورة الفهم الشمولي للقرآن فقالوا: "إن القرآن يفسر بعضه بعضا." وقالوا كذلك: "يشهد بعضه على بعض، وينطق بعضه ببعض." رغم ذلك فإن البعض أخذوا يفهمون الآيات بشكل مجزأ بعيداً عن الآيات الأخرى، بل - في بعض الأحيان - أخذوا يجزئون الآية الواحدة لكي يستنبطوا منها مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد تجلى "الفهم التجزيئي" للقرآن في المظاهر التالية:

فصل الجملة القرآنية عن السياق

للسياق أثر كبير على مقصود دلالة المتكلم، ونقصد بـ"السياق": الجو العام الذي يحيط بالكلمة وما يكتنفها من قرائن وعلامات.

إن الكلمة الواحدة والجملة الواحدة قد تحمل مدلولين متناقضين تماماً دون أن تختلف الكلمة في بنائها الداخلي، وإنما الذي تغير هو السياق والقرائن المحيطة. فقد يقول الأب لابنه: "افعل الأمر الفلاني" وهو يقصد المعنى الظاهري لهذه الكلمة، وقد يستخدم نفس الكلمة ويقصد بها التهديد الذي نستطيع اكتشافه من خلال القرائن، وهنا ينقلب معنى "افعل" إلى معنى مناقض تماماً - هو: "لا تفعل."

وهذا هو - بالضبط - ما ينطبق على القرآن الكريم، فقد يستخدم القرآن صيغة الأمر ويقصد بها مدلولها الظاهر عندما يقول: ((أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ))1، وقد يقصد بها الإباحة عندما يقول: ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ))2 عقيب الحظر في قوله: ((لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ))3، وقد يقصد التهديد عندما يقول: ((فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ))4، وقد يقصد التعجيز والتحدي عندما يقول: ((فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ))5 أو عندما يقول على لسان نبي الله هود (عليه السلام) مخاطبا قومه الكافرين: ((فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ))6، وهكذا وهلم جرا.

لقد استخدمت هذه الآيات جميعا في صيغة الأمر: "أقم"، "فاصطادوا"، "فاعبدوا"، "فأتوا"، "فكيدوني" فما الذي جعلها تعطي مدلولات مختلفة بل ومتناقضة أيضا؟ إنه السياق القرآني والقرائن الخارجية.

ونحن نجد المسلمين الأولين ربما كان يستطيعون أن يحددوا مدلول كلمة معينة أو آية معينة في القرآن من خلال سياقها العام، ففي الحديث أن أحد الصحابة قرأ على المنبر قوله تعالى: ((فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا))7، ثم أردف: "كل هذه عرفنا، فما الأب؟" ثم حرك عصى كانت في يده، وقال: "هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب؟" وأضاف موجهاً إلى الجماهير: "اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب واعملوا به، وما لم تعرفه فكلوه إلى ربه."8 وقد نقل أن علياً (عليه السلام) جاء بعد ذلك، وقال: "إن معنى اللفظ في الآية ذاتها، لأن الله يقول: ((وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ))، فالفاكهة لكم، والأب لأنعامكم."9 وهكذا كشف الإمام علي (عليه السلام) للناس معنى الأب من خلال السياق القرآني.

وفي حديث آخر أن عمر مر يوماً بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن، فاستقه، فخلط له الفتى الماء بعسل وقدمه إليه، فلم يشربه، وقال: "إن الله تعالى يقول: ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا))" فقال له الفتى: "إنها ليست لك، ولا لأحد من أهل القبلة. أترى ما قبلها: ((وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا))10،" فقال عمر: "كل الناس أفقه من عمر."11

لقد تصور عمر أن هذه الآية تنهى المؤمنين عن تناول الطيبات، وتدعوهم لتأجيلها إلى الآخرة، وتؤكد أن الذين يعجلون بالطيبات في هذه الحياة ليس له منها نصيب في الآخرة، وكان هذا التصور نابعاً من تجزيئه للآية الكريمة. ولكن الفتى الأنصاري استطاع أن يفهم أن المراد "أنه يقال للكافرين حين عرضهم على النار: لقد أنفذتم الطيبات التي /كنتم/ تتلذذون بها في حياتكم الدنيا /و المراد بالطيبات: المعاصي والذنوب ولذلك عبر القرآن بـ"طيباتكم"/ فلم يبق لكم شيئا تتلذذون بهم في الآخرة."12، ولم يكن الأنصاري ليستطيع أن يدرك المعنى إلا من خلال ملاحظته لسياق هذه الآية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر استطاع بعض المسلمين أن يكتشفوا ترابط بعض الآيات من خلال ملاحظة السياق القرآني:

لقد سمع أحد العرب رجلاً يتلو أية هكذا: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم."

فقال الإعرابي: أخطأت.

قال: وكيف؟

قال: إن المغفرة والرحمة لا تناسبان قطع يد السارق.

فتذكر الرجل الآية، وقال: ((وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))13، فقال الإعرابي: نعم، بعزته أخذها، وبحكمته قطعها14.

من كل ذلك نستطيع أن نكتشف أن "السياق القرآني" هو عامل مهم في فهم القرآن الكريم عندما يكون مؤشراً في صناعة الظهور اللفظي للكلمة أو الجملة، وأن المسلمين الأولين استطاعوا أن يستفيدوا من هذا العامل في فهم أو تفهيم الآية القرآنية.

وجاءت أجيال أخذت تفصل بين الجملة القرآنية وبين السياق، لتستنتج من ذلك - عن علم أو جهل - مفاهيم تتنافى مع أبسط مبادئ الدين. هذه الأجيال أخذت تفسر القرآن على طريقة من يستدل على عدم وجوب الصلاة بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ))، وقد ترتب على ذلك مضاعفات في مجالات مختلفة، ونذكر منها ما يلي:

    مجال العمل والتحرك.

    مجال العقيدة والإيمان.

    مجال فهم "الكلمة" القرآنية.

ولكن كيف؟ دعنا نعرف.

أولا: في المجال العملي

يقول القرآن الكريم: ((وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ))15.

هذه المقطوعة من الآية أصبحت شعاراً للمتقاعسين الذين يريدون التهرب من مسؤوليات العمل والتضحية، ولكن دعنا نلقي نظرة على سياق هذه الآية لكي نفهم ما هو المقصود. يقول القرآن الكريم: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ، الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))16.

فقد جاءت هذه الآية في سياق آيات تحث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، ذلك لأن الجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال، ورغم أن كل مسلم مجاهد كان يجهز نفسه بعدة القتال ومركب القتال وزاد القتال إلا أن كثيراً من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد لم يكونوا يجدون ما يزودون به أنفسهم ولا ما يتجهزون به من عدة الحرب ومركب الحرب، وكانوا يجيئون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يطلبون منه أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد، الذي لا يبلغ على الأقدام، فإذا لم يجد ما يحملهم عليه ((تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ)) كما يحكي عنهم القرآن.

ومن أجل هذه كثرت التوجيهات القرآنية إلى الإنفاق في سبيل الله: الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة الإنفاق في معظم المواقع، وعقيب هذه الدعوة يؤكد القرآن على أن عدم الإنفاق في سبيل الله يعني: إلقاء النفس في التهلكة، ذلك أن البخل يسبب تضعضع الجبهة الداخلية للمؤمنين وبالتالي انتصار الأعداء عليهم وإبادتهم ماديا ومعنوياً.

ثم يطالب القرآن الأمة المؤمنة بالمزيد من البذل والعطاء حين يقول: ((وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))، إذن، فالسياق - هنا - يؤكد أن المراد من التهلكة هي: التهلكة التي تنبع من عدم الإنفاق، فتأمل.

ثانيا: في المجال العقائدي

يقول القرآن الكريم: ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ))17. من خلال هذه المقطوعة من الآية وآيات أخرى غيرها يحاول "التجزيئيون" أن يفهموا أن لله تعالى وجهاً وعيناً ويداً وساقاً إلى غير ذلك من الأعضاء والجوارح18. ولكن هل هو صحيح ما يفهمون؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد أن نوضح حقيقة هامة هي: أن لليد استعمالات مختلفة فبعضها حقيقي وبعضها غير حقيقي، والسياق الظهوري هو الذي يستطيع أن يبين المعنى المقصود.

مثلاً: إذا سمعت شخصاً يسأل زميله قائلاً: "ما فعلت الشرطة بفلان؟" فأجاب: "غلّوا يده وراء ظهره، وأدخلوه السجن،" فما الذي تفهم من كلمة "اليد" هنا؟ لا شك أنك تفهم المعنى الحقيقي لليد، أي تلك القطعة المكونة من لحم وعظم والمتصلة بالذراع.

أما لو سأل أحدهما من الآخر عن جود فرد معين، فأجابه بأن يده مغلقة أو مغلقة أو مغلولة إلى عنقه، فهل تفهم من ذلك أن هنالك مرضاً في يديه لا يدعه يفتحها، أو أن هنالك حبلا يربط يديه إلا عنقه؟ أو عندما يقول القرآن: ((وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ))19 فهل تُجَمّد على ظاهر اللفظ بعيداً عن اللفظ العربي الدقيق، وتجعل المعنى: ولا تشد يديك إلى رقبتك كالكسير، ولا تمدهما إلى طرفيك أفقياً كلاعب رياضة، أم أنك تفهم أن "غل اليد إلى العنق" و "بسط اليد" تعبيران غير حقيقيين يقصد منهما البخل والإسراف؟

وإذا اتضحت هذه الحقيقة نقول: إن سياق هذه الآية الكريمة يكشف لنا أن "اليد" هنا لم تستعمل بمعناها الحقيقي، بل هي مجرد تعبير غير حقيقي يقصد به التعبير عن مدى جود الله وكرمه في قبال أولئك اليهود الذين اتهموا الله بالبخل والذين جاءت هذه الآية الكريمة للرد عليهم.

والآن تعالوا نلقي نظرة شمولية على هذه الآية الكريمة: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء))20، فماذا نفهم؟ هل نفهم المعنى الحقيقي لكلمة "اليد" أم أننا نفهم المعنى غير الحقيقي الذي يعني: الجود والعطاء؟

الحكم متروك للقراء الكرام.

ثالثاً: في مجال فهم الكلمة القرآنية

يقول الله تعالى: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ))21.

ربما يرجح كون "النجم" في هذه الآية الكريمة بمعنى ما نجم أي طلع من النبات على غير ساق، وهو خلاف الشجر، لأن المعنى هو الذي ينسجم مع السياق القرآني، فعندما نفسر "النجم" هنا بأنه ما لا ساق له من النباتات يكون الارتباط واضحاً بينه وبين "الشجر" - باعتبار أن "النجم" هو النبات الضئيل و"الشجر" هو النبات الكبير الحجم. بعكس ما لو فسرنا النجم بـ"الكوكب"، فتأمل.

إلى هنا نكون قد انتهيا من البحث الأول من بحوث "الفهم التجزيئي للقرآن"، وكان يدور حول فصل الجملة القرآنية عن السياق. وتبقى - هنا - ملاحظتان:

الأولى: أن "السياق القرآني" - وإن كان عاملاً هاماً في فهمنا لمعاني القرآني <القرآن> إلا أنه يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع العوامل الأخرى المساعدة على فهم الآيات الكريمة من التفاسير والروايات وموارد نزول الآيات وما أشبه.

الثانية: في حالة تعارض الروايات الصحيحة مع "السياق القرآني" المتصور تقدم الروايات بالطبع، وذلك لأن السياق لا يشكل أكثر من "ظهور" للجملة، ومن الواضح أن الظهور يمكن التصرف فيه بالقرائن المنفصلة التي تكشف عن كون الإرادة الجدية غير مطابقة للإرادة الإستعمالية، وتفصيل الكلام في ذلك موكل إلى "علم الأصول".

Read More »
0 comments
التجزئة الموضوعية (1)


المشكلة الثانية التي يعاني منها بعض أبناء الأمة هي "التجزئة الموضوعية" في فهم القرآن الكريم، فهذه القطاعات تحاول أن تفهم كل آية آية من القرآن؛ بشكل مستقل، بعيداً عن فهم الآيات الأخرى، وكأن كل آية عامل مستقل وقائم بذاته، وقد ترتب على ذلك أمران:

1. الفهم الخاطئ لبعض الآيات القرآنية، فالقرآن "كائن حي" يرتبط بعضه مع بعض، ويتفاعل بعضه مع بعض، ومن هنا لا يستطيع الفرد أن يفهم القرآن بشكل سليم إلا بعد أن يجمع بعضه مع بعض، ويلاحظ التفاعل والارتباط فيما بين أجزائه المتفرقة، ومن هنا جاء في الأحاديث: "إن القرآن يفسر بعضه بعضا."، وجاء: "يشهد بعضه ببعض، وينطق بعضه ببعض."

لقد وجدت - على امتداد التاريخ الإسلامي - مذاهب كثيرة منحرفة مثل: "الصفائية" و"الحشوية" و"المشبهة" و"الكرامية" و"الجبرية"1 وغيرها، وهذه المذهب كانت تستند إلى بعض الآيات القرآنية في دعم أفكارها الخاطئة، وكان الخطأ الذي ارتكبته هذه المذاهب - أو على الأصح جزء الخطأ - هي "النظرة التجزيئية" إلى آيات القرآن، كانوا يجدون آية تتحدث في موضوع معين، وكان ظاهرها يعطي معنى معيناً، فكانوا يتمسكون بذلك المعنى ضاربين بسائر الآيات الواردة في هذا الموضوع عرض الجدار.

هذا في الجانب العقائدي، أما في الجانب العملي، فقد أخطأ البعض في فهم الآيات القرآنية التي تصورها تدعوا إلى الكسل وإلى الجلوس في زوايا البيوت، ذلك لأنهم نظروا إلى هذه الآيات نظرة "أحادية الجانب" ولم يجمعوها مع سائر الآيات القرآنية التي تدعوا إلى العمل والجهاد والتحرك2.

إذن، فالنظرة التجزيئية إلى آيات القرآن الكريم تعني - في كثير من الأحيان - فهم هذه الآيات بشكل خاطئ.

2. الفهم الناقص لـ"الموضوعات القرآنية". فالقرآن الكريم لم يجمع بشكل موضوعي، أي لم يوضع كل موضوع منه في فصل مستقل، بل إن الآيات المتعلقة بموضوع واحد تتقاسمها عشرات السور، ولذلك أصبح ضروريا على كل من يريد أن يخرج بـ"رؤية قرآنية متكاملة" حول موضوع ما أن يمارس "النظرة الشمولية" للآيات المرتبطة بذلك الموضوع.

أما "التجزئة الموضوعية" فهي لا تعطينا إلى رؤية ناقصة، بالإضافة إلى أننا نخسر بسبب ذلك الكثير من المعطيات التي يمنحنا إياها "الفهم الشمولي" حينئذ - كما سنوضح ذلك فيما بعد.

والسؤال - الآن - هو: كيف تقوم بـ"الفهم الموضوعي" للقرآن الكريم؟ والجواب: أن العملية يجب أن تسير في أربعة مراحل:

1. جمع الآيات القرآنية المرتبطة بالموضوع المقصود من مختلف السور القرآنية. أما كيف يتم ذلك، فعن أحد طريقين:

أحدهما: الكتاب الذي ألفه "جول لابم" والذي نسق فيه الآيات حسب مواضيعها تحت عنوان "تفصيل آيات القرآن الحكيم"3 مع ملاحظة ملحقة أيضاً.

ثانيهما: المعجم الذي وضعه "محمد فؤاد عبد الباقي" والذي تناول فيهم الألفاظ القرآنية على أسلوب المعاجم اللغوية تحت عنوان "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم". وأسلوب الرجوع إلى هذا المعجم هو تجريد الموضوع المراد بحثه عن الزوائد الصرفية، ثم البحث عنه في طيات هذا الكتاب، فمثلاً: تبحث عن الزكاة في مادة "ز.ك.و." وعن الصلاة في مادة "ص.ل.و." وعن الصوم في مادة "ص.و.م." وهكذا، وهلم جرا.

2. فرز الآيات وتصنيفها ووضع كل واحدة منها مع الآيات المماثلة لها.

3. ترتيب هذه المجموعات على حسب ما يقتضيه "الإطلاق والتقييد" و"العموم والخصوص" و"التقدم والتأخر"، وغير ذلك.

4. وأخيراً، استنباط الرؤية المتكاملة والنهائية من خلال ذلك.

ولا ننسى أن نؤكد - هنا مرة أخرى - ضرورة الرجوع إلى التفاسير وإلى روايات المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام)

وهنا ينتصب سؤال ليقول: ما هي صور الجمع بين الآيات القرآنية؟ والجواب: هنالك صور عديدة للجمع نذكر منها:

    الجمع التفسيري.

    الجمع الترتيبي.

    الجمع الاستنباطي.

    الجمع الموضوعي.

ولكن كيف؟ دعنا نعرف.

أولا: الجمع التفسيري

ويعني ذلك: كشف المدلول الحقيقي للآية القرآنية من خلال آية أخرى تتعرض إلى الموضوع ذاته، وهنا نستعرض بعض النماذج:

يقول القرآن الكريم: ((اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم،َ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيْهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ))4

نحن نعرف من البداية أن لكل آية مفهوما ومصداقاً، فمفهوم الصراط واضح نعرفه من المعنى اللغوي للكلمة في لسان العرب. فالصراط المستقيم بمعنى الصراط المعبد للسير، والمستقيم بمعنى المعتدل، وأقرب الطرق إلى المقصد. فمفهوم الآية - إذن - واضح لا غبار عليه، ولكن مصداق الآية غير واضح، فلا ندري ما هو الصراط المستقيم الذي يجب أن نسير عليه، ولا ندري من هم الذين أنعم الله عليهم حتى نهتدي بطريقتهم. فغير واضح من الآية واللغة ولسان العرب ما هو الصراط المستقيم. فماذا علينا أن نفعل؟

علينا أن نعرف ذلك من خلال الربط بين هذه الآية والآيات الأخرى ونكتشف مصداق الآية، فلنقرأ في سورة "يس" أية 60 قوله تعالى: ((وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ))، فنعرف أن الصراط المستقيم هو عبادة الله تعالى والتزام منهجه في الحياة العملية والاجتماعية. ونقرأ في آية أخرى قوله تعالى: ((وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا)) (سورة النساء 68)، فنعرف أن المراد من "الذين أنعمت عليهم" هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون5.

والآن لنتساءل: من هم "الضالون"؟ من هم هؤلاء الذين ندعو الله تعالى كل يوم عشر مرات - على الأقل - لكي يبعدنا عنهم؟ من خلال مراجعة الآيات الأخرى نجد أن القرآن الكريم يحدد "الضلال" فيما يلي:

    الكفر بكافة أشكاله وألوانه، وفي ذلك يقول القرآن: ((وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا))6، ((وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا))7، ((وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ))8

    التعدي على حقوق الآخرين وفي ذلك يقول القرآن: ((بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ))9

    الانحراف بكافة ألوانه وأشكاله، وفي ذلك يقول القرآن: ((وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ))10، ((وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا))11،

وهكذا، استطعنا أن نكتشف - من خلال الآيات الأخرى - أن المراد بـ"الضالين" هم المنحرفين فكريا والمنحرفين سلوكياً، والذين يتعدون على حقوق الآخرين.

وهذا ما نطلق عليه "تفسير القرآن بالقرآن"

ثانياً: الجمع الترتيبي

وذلك يعني فرز مجموعة من الآيات وترتيبها ترتيباً منطقياً، ولهذا النوع من الجمع معطيات وفوائد، منها:

1. حل التناقض المتوهم بين الآيات القرآنية، ذلك أننا حين ننظر إلى الآيات بشكل منظم فقد نتصور اختلافا بين مفاهيم هذه الآيات، ولكننا بعد تنسيقها وتنظيمها لا نجد أي اختلاف، بل نجد الأمر من قبيل "الخصوص والعموم" أو "التقييد والإطلاق" أو ما أشبه ذلك، ما نرى مثيلا له حتى في كلماتنا اليومية.

2. فهم "مرحلية" هبوط الأحكام الإلهية، وذلك أن الأمر أو النهي يتعلق بقاعدة أساسية من قواعد التصور الإيماني أي بمسألة اعتقادية، فإن الإسلام يقضي فيها قضاءا حاسماً منذ اللحظة الأولى، ولكن عندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإسلام يتريث فيه، ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدريج، ويهيئ الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة.

والآن إليكم المثال التالي - حسب ما يستفاد من التفاسير:

في مسألة تحريم الخمر، لم يكن الأمر أمر توحيد أو شرك، وإنما كان أمر عادة وأُلف، والعادة تحتاج إلى علاج، ولذلك تدرج القرآن من مرحلة إلى مرحلة حتى وصل إلى التحريم النهائي. وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): "ما بعث الله نبيا قط إلا وفي علم الله تعالى أنه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم يزل الخمر حراماً، وإنما ينقلون من خصلة ثم خصلة، ولو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين." وعنه: "ليس أحد أرفق من الله تعالى، فمن رفقه تبارك وتعالى أنه ينقلهم من خصلة إلى خصلة، ولو حملهم جملة /أي مرة واحدة/ لهلكوا."12

والآن لننظر كيف تدرج القرآن الكريم في تحريمه للخمر:

    في البداية، بدأ القرآن بتحريك الوجدان الديني والمنطق العقلي في نفوس المسلمين، وذلك ببيان أن الإثم في الخمر أكبر من النفع فقال: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا))13، وفي هذا إيحاء بأن تركها هو الأولى.

    ثم جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ))14، والصلاة في خمسة أوقات - أو ثلاثة - متقارب لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة، وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشرب، ولكسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي، إذ المعروف أن المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدر في الموعد الذي اعتاد تناوله، فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرر هذا التجاوز فترة حدة العادة، وأمكن التغلب عليها.

وبعدما تمت هاتان الخطوتان جاء النهي الحازم الأخير بتحريم الخمر في قوله تعالى: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ))15، وعندئذ قال المسلمون: "أجل! لقد انتهينا يا رسول الله." ثم أخذوا يهريقون الخمور في الأزقة حتى جرت فيها.

ثالثا: الجمع الاستنباطي

والجمع الاستنباطي يعني: الجمع بين آيتين من القرآن الكريم أو كثر لاستنباط حكم تشريعي معين أو فكرة معينة. والتراث الذي خلفه لنا الأئمة الطاهرون (عليهم الصلاة والسلام) عني بهذا النوع من الجمع، ولذلك فنقتصر في هذا الفصل على نماذج منه:

أ- عن الدؤلي قال: "رفع إلى عمر امرأة لستة أشهر، فأراد أن يرجمها16، فجاءت أختها إلى علي بن أبي طالب فقالت: "إن عمر رجم أختي، فأنشدك الله إن كنت تعلم أن لها عذراً لمّا /أي: إلا/ أخبرتني به."

فقال علي: "إن لها عذراً."

ثم انطلقت إلى عمر، فقالت: "إن عليا زعم أن لأختي عذراً."

فأرسل عمر إلى علي: "ما عذرها؟"

قال: "إن الله يقول: "((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ))17"، وقال:"(( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا))18"، وقال: "((وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ))19، وكان الحمل هنا ستة أشهر20".

قال الراوي: "ثم إنها ولدت آخر لستة أشهر."21

وهكذا، استطاع الإمام علي (عليه السلام) أن يبين من خلال هذه الآيات - التي قد لا يبدو عند النظرة العابرة وجود أي ترابط فيما بينها - استطاع أن يبين لهم منها حكما عظيماً من أحكام الإسلام، وأن ينقذ امرأة من حكم الرجم.

ب- إن سارقاً اعترف على نفسه بالسرقة، فأحضروه إلى مجلس المعتصم - الملك العباسي - كي يجري عليه الحد، ولكن المعتصم لم يعرف حده، فأحضر فقهاء بغداد وفيهم ابن أبي داود والإمام العظيم محمد بن علي الجواد (عليه السلام)، فسألهم: "من أين تقطع يد السارق؟"

فقال ابن أبي داود من مفصل الكف واستدل بآية التيمم: ((فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ))22، ولكن العلماء الآخرين أطبقوا على قطع اليد من المرفق مستدلين بآية الوضوء: ((فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ))23.

كل ذلك والإمام الجواد (عليه السلام) ساكت لا يتكلم بشيء، حتى التفت إليه المعتصم قائلاً: "ما تقول؟" غير أن الإمام لم يك يريد الرد على هؤلاء، فقال: "قالوا، وسمعت." فتطلع المعتصم إلى رأي جديد يضمره الإمام (عليه السلام)، فألح عليه قائلاً: "لا رأي لي عند هؤلاء، بالله عليك إلا ما حكمت."

فقال الإمام (عليه السلام): "إن النبي أمر توضع المواضع السبعة (التي منها الكفان) في السجود على الأرض، ويقول الله الحكيم: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ))24، فلا تقطع الكف التي هي من المساجد، بل اقطع الأصابع الأربع فحسب."25

وهكذا، استطاع الإمام الجواد (عليه السلام) أن يكشف حدود قطع يد السارق بالجمع بين آيتين كريمتين هما قوله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا))، وقوله تعالى: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)).

ج- عن علي بن يقطين، قال: سئل المهدي /الملك العباسي/ أبا الحسن (عليه السلام) /أي: الإمام موسى الكاظم/ عن الخمر فقال: "هل هي محرمة في كتاب الله؟ فإن الناس يعرفون النهي ولا يعرفون التحريم."

فقال له أبو الحسن (عليه السلام): "بل هي محرمة."

قال: "في أي موضع هي محرمة؟ بكتاب الله يا أبا الحسن؟!"

قال: "قول الله تبارك وتعالى: ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ))26، فأما قوله: ((مَا ظَهَرَ مِنْهَا)) فيعني الزنا المعلن، ونصب الرايات التي (كانت) ترفعها الفواجر في الجاهلية. وأما قوله ((وَمَا بَطَنَ)) يعني: ما نكح من الآباء، فإن الناس كانوا قبل أن يبعث الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان للرجل زوجته، ومات عنها، تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمه، فحرم ذلك. وأما (الإثم) فإنها الخمر بعينها، وقد قال الله في موضع آخر: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ))27، فأما الإثم في كتاب الله فيه الخمر والميسر في النرد، وإثمهما كبير."

فقال المهدي: "هذه - والله - فتوى هاشمية!"28.

  التالي

  الفهرست

السابق

(1) للمزيد من التفاصيل راجع "التمهيد" ج 3 - ص 56 - 72
(2) بالإضافة إلى أنهم أخطأوا في فهم نفس تلك الآية
(3) هذا الكتاب منقسم إلى 18 باباً وهي: التاريخ، محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، التبليغ، بنو إسرائيل، التوراة، النصارى، ما بعد الطبيعة، التوحيد، والقرآن، الدين، العقائد، العبادات، الشريعة، النظام الاجتماعي، العلوم والفنون، التجارة، علم تهذيب الأحلاق، النجاح. وتندرج تحت كل باب من هذه الأبواب فصول متعددة
(4) سورة الحمد - 6 - 7
(5) القرآن كتاب حياة - ص 61، 62
(6) سورة النساء - 136
(7) سورة النساء - 116
(8) سورة البقرة - 108
(9) سورة لقمان - 11
(10) سورة ص - 26
(11) سورة الأحزاب - 36
(12) الصافي في تفسير القرآن - المجلد الأول - ص 187 (الطبعة الخامسة)
(13) سورة البقرة - 219
(14) سورة النساء - 43
(15) سورة المائدة - 90، 91
(16) باعتبار أنها ولدت قبل إكمال تسعة أشهر من زواجها، مما أثار ريبة عمر في ارتكابها للفحشاء قبل زواجها
(17) سورة البقرة - 233
(18) سورة الأحقاف - 15
(19) سورة لقمان - 14
(20) فإذا كانت مدة الرضاع أو الفصال - لا فرق - حولين (أي: أربعة وعشرين شهراً)، وكانت مدة الحمل والفصال معاً ثلاثين شهراً، فالنتيجة هي أنه يمكن أن تكون فترة الحمل ستة أشهر فقط.
(21) راجع الغدير - ج 6 - ص 93 (الطبعة الثالثة)
(22) سورة النساء - 43
(23) سورة المائدة - 9
(24) سورة الجن - 18
(25) راجع "العقوبات في الإسلام" - ص 25، 26
(26) سورة الأعراف - 23
(27) سورة البقرة - 219
(28) راجع "البرهان في تفسير القرآن" - المجلد الثاني - ص 14 (الطبعة الثالثة)، وكذلك - أيضا - "الصافي في تفسير القرآن" - المجلد الأول - ص 188 (الطبعة الخامسة)

Read More »

خامسا: الارتباط والتسلسل

0 comments
خامسا: الارتباط والتسلسل
من الشروط التي يجب توفرها في الكلام اللين ليكون بليغاً وأنيقاً: الارتباط والتسلسل، فالكاتب الذي يدع أفكاره يموج بعضها في بعض، ويحشر المواضيع المختلفة بعضها في البعض الآخر حشرا، والخطيب الذي يقفز من موضوع إلى موضوع كما يقفز الطائر من غصن إلى غصن، والمتحدث الذي تتزاحم على دماغه الأفكار، فيتحدث حولها جميعاً في وقت واحد، كل هؤلاء ليسوا من البلاغة في شيء.
ولأن القرآن الكريم هو قمة البلاغة والفصاحة لذلك كان لابد - على ما يراه بعض العلماء - من وجود روابط معينة بين آياته، بل وخيط خفي يربط بين آيات السورة الواحدة، كما يربط حبات المسبحة بعضها ببعض... خيط خفي، فتأمل.
والعلاقة بين الآيات قد تكون:
  1. علاقة المسبب بالسبب
  2. أو علاقة التكامل
  3. أو علاقة التشابه
  4. أو علاقة التفريع
إلى غير ذلك من أنواع العلاقة.
والسؤال هو: لماذا محاولة اكتشاف الروابط بين الآيات القرآنية؟ هل هناك ضرورة تفرض ذلك أم أنه يمكننا أن نفهم القرآن بشكل مستقل ومنفصل عن الآيات الأخرى؟ والجواب: إن لاكتشاف الروابط بين الآيات القرآنية فائدتين:
إحداهما: فهم المعنى الحقيقي للآية. إن فهم المعنى الحقيقي لكثير من الآيات يتوقف على اكتشاف الارتباط بين الآيات، ومن هنا نجد أن الذين حاولوا فهم القرآن بشكل تجزيئي أخطأوا في فهم الكثير من الآيات1.
ثانيها: اكتشاف مفاهيم هامة من خلال ذلك.
أما مجالات اكتشاف العلاقة فهي: أولاً، العلاقة بين أجزاء الآية الواحدة، وهذا ما نسميه بـ"فهم الارتباط". ثانياً: العلاقة بين الآيات، وهذا ما نسميه بـ"فهم التسلسل"، وفيما يلي بعض الصور الإيضاحية.
(1)
يقول القرآن الكريم: ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ))2.
هذه الآية الكريمة تبين أن الجنة هي من نصيب أفراد ملامحهم كتالي:
  1. أنهم هاجروا.
  2. ولكن هذه الهجرة لم تأت عبثا أو من أجل الراحة أو السياحة، بل لأنهم عملوا وجاهدوا حتى اضطرتهم القوى المعادية للخروج: ((وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ)).
  3. وكانت الهجرة عقيب تلقيهم الأذى والاضطهاد: ((وَأُوذُواْ)).
  4. وهذا المصاعب كلها لم تكن من أجل طموحات شخصية وإنما من أجل الله وفي سبيله: ((فِي سَبِيلِي))
  5. وبعد أن سدت الأبواب كلها في وجههم هاجروا إلى المنفى، ولكنهم لم يستسلموا في المنفى للهدوء والراحة، بل واصلوا مسيرة الجهاد والثورة: ((وَقَاتَلُواْ))
  6. ثم لم يكن الهدف من القتال الحصول على مكاسب دنيوية أو شخصية، فهم حاربوا بروحية المصمم على الموت حتى استشهدوا في هذا الطريق: ((وَقُتِلُواْ)).
والسؤال الآن: ما هي النتيجة؟ والجواب يفصله لنا القرآن حين يقول: ((لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ))، وكل ذلك: ((ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ)) أي جزاءاً لم يكن يعطى لهم إلا بذلك العمل. إلا أن عطاء الله ليس عادياً أو محدوداً، لأنه عطاء من الله ((وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)).
وربما يلاحظ القارئ الكريم أن العلاقة بين أجزاء هذه الآية الكريمة هي "تكاملية".
(2)
يقول القرآن الكريم: ((فَنَادَتْهُ /زكريا/ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ))3.
ربما يبين الارتباط بين أجزاء هذه الآية على الشكل التالي:
لقد بشرت الملائكة نبي الله زكريا (عليه السلام) بابنه يحيى (عليه السلام)، وذكرت له:
  1. أن يكون المبادر إلى تصديق عيسى المسيح (عليه السلام).
  2. ولكن ذلك لا يعني أنه سيكون فرداً عادياً مثل سائر المؤمنين بالمسيح (عليه السلام)، كلا.. إن له دوره الهام، وشخصيته المتميزة: ((وَسَيِّدًا)).
  3. الوجهاء والسادة عادة يستغلون مراكزهم لإشباع غرائزهم وإرواء شهواتهم، ولكن يحيى (عليه السلام) ليس فقط يتجنب ذلك، وإنما - أيضاً - يحصر عن نفسه اللهو البريء، والشهوات المحللة: ((وَحَصُورًا))4.
  4. وبعدئذ، يبلغ قمة الكمال الإنساني، فيصبح ((نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ))، وهل هناك أعظم من هذه البشارة؟
(3)
يقول القرآن الكريم: ((إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيم وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ))5.
في هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان:
  1. علاقة ((ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)) بما سبق.
  2. علاقة ((وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) بما سبق.
أما بالنسبة للمبحث الأول، فيبدوا أن قوله تعالى: ((ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)) بمنزلة التعليل للاصطفاء العمومي الذي شمل آل إبراهيم وآل عمران، فهي ذرية متماثلة، وبعضها يشبه البعض في صفات الفضيلة والكمال، ومن هنا كان اختيار هاتين الأسرتين "اختياراً مجموعياً" بينما اختيار آدم ونوح اختياراً فرديا، حيث فقدت ذرياتهما تلك المواصفات.
أما بالنسبة للمبحث الثاني، فإن قوله تعالى: ((وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) بمنزلة التحليل لأصل "الاصطفاء"، فالاصطفاء الإلهي ليس اصطفاء كيفياً، بل هو اصطفاء دقيق - يكفي في دقته أن الله "السميع" العليم" هو الذي يقوم به.
ومن هنا نستنتج أن اختيار الله لرسله وصفوته من خلقه إنما يعود إلى مؤهلات وكفاءات توفرت فيهم وليس اختياراً فوضوياً أو عشوائيا6.
(4)
يقول القرآن الكريم: ((إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَة أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلاَ يَصُدَّنَّك عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى))7.
ما هي العلاقة بين قوله تعالى: ((مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا)) وقوله: ((وَاتَّبَعَ هَوَاهُ))؟ والجواب: إنها علاقة سببية، بمعنى: أن اتباع الهوى هو السبب وراء الكفر بيوم القيامة. إن أغلب الذين لا يؤمنون بالآخرة لا ينطلقون في موقفهم هذا من "شبهات عقلية" بل من "شهوات نفسية". إنهم يجدون أن الإيمان بالآخرة يعني الحجر على أهوائهم الطائشة ولذلك يريحون أنفسهم برفض الآخرة من الأساس.
وربما كان في إتيان لفظة "اتبع" بصيغة الماضي، مع أن المعطوف عليه وهو ((مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا)) قد أتى بصيغة المضارع. ربما كان في ذلك إشارة إلى تقدم مرحلة اتباع الهوى على إنكار الآخرة.
(5)
يقول القرآن الكريم: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ، إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْه شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء))8.
هنالك ثلاثة حواجز تقف أمام إنزال العقوبة بالمتمردين وهي:
  1. الضعف: فعندما يكون الفرد ضعيفاً وعندما تكون الدولة ضعيفة، فإنهما لن يستطيعا - بالطبع - عقاب المتمردين.
  2. الشفقة المفرطة: فقد يكون الفرد قويا إلا أن شفقته تكون حاجزاً أمام عقاب من يستحق العقاب، مثل الآباء الذين تغمرهم العاطفة أكثر من اللازم، فيدعون أبناءهم يفعلون ما يشاءون، من أن يقوموا بتأديبهم.
  3. الجهل: وهو قد يكون جهلاً بوقوع الجريمة أو جهلاً بالذين ارتكبوا الجريمة.
وطبعاً في هذه الحالات لن يستطيع الفرد أو الدولة أن يقوما بأي إجراء مضاد، وأما الله سبحانه وتعالى فلا تقف أمامه هذه الحواجز - كما تشرحه لنا هاتان الآيتان، فهو:
  1. العزيز: أي القوي الغالب الذي لا يعجزه شيء.
  2. ذو انتقام: فهو ينتقم من المتمردين والظالمين، وليس رحمة مطلقة كما يتصوره البعض أنه "أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة،" ولكنه - أيضاً - "أشد المعقبين في موضع النكال والنقمة" - كما جاء في دعاء الافتتاح.
  3. وهو مطلع على كل شيء، ولا يمكن أن يفلت شيء من علمه: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْه شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء)).
إذن فليحذر الكفار، وليستعدوا لذلك اليوم الرهيب حيث ينتظر الذين كفروا بآيات الله عذاب شديد.
(6)
يقول القرآن الكريم: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ، لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ))9.
في النظرة العابرة قد يبدو وجود فجوة بين الآيتين الأوليين اللتين تتحدثان عن سلطة الله وبين الآية الأخيرة التي تنهى المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء وأنصاراً، ولكن الواقع أن الارتباط بين هذه الآيات قوياً جداً، ولتوضيح هذا الارتباط نذكر ما يلي:
هنالك بعض المؤمنين - من ضعف الإيمان - يمدون الجسور بينهم وبين الجهات المضادة، ويقيمون معها علاقات متينة، وذلك يعود إلى أن هؤلاء يتصورون أن التحالف مع هذه الجهات سوف يمنحهم بعض المكاسب الدنيوية التي يلهثون وراءها.
ولمواجهة هذا الطراز يؤكد القرآن الكريم أن الله سبحانه هو المتصرف في الكون وهو المتصرف في الحياة. أن كل شيء يرتبط بإرادة الله، فالملك والعزة والامتيازات الدنيوية الأخرى كلها بيد الله تعالى، وليست بيد واحد من المخلوقين.
إذن، فما بال هؤلاء يبحثون عن هذه الأمور عند غير الله

Read More »

سادساً: التصنيف

0 comments

سادساً: التصنيف
والتصنيف يعني تقسيم ما ورد في الآيات القرآنية وفقاً للأبعاد الزمنية أو المواقف الاجتماعية أو الصفات النفسية.. أو غير ذلك. والمثالان التاليان كفيلان بتوضيح جانب من ذلك:
(1)
يقول القرآن الكريم: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون))1.
في البداية يقرر القرآن مبدأ التوحيد القاعدة الأساسية التي يقوم على أساسها الإسلام كله، ثم يبين القرآن أن هنالك عدوين للتوحيد:
أ- الأهواء والشهوات النفسية والأصنام التي تتخذ آلهة مع الله، وفي ذلك يقول: ((وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا)).
ب- الأصنام الاجتماعية والطواغيت التي تتخذ شركاء مع الله، وفي ذلك يقول: ((وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ)).
وهكذا، يجب أن لا يشرك الإنسان مع الله "شيئا" ولا "شخصا" حتى يكون موحدا حقيقيا.
(2)
يقول القرآن الكريم: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب))2.
في هذه الآية يستعرض القرآن الكريم دليلين يعتبران من أهم الأدلة على وجود الله:
أ- دليل "الوجود": إن وجود ساعة يدوية صغيرة يدل على وجود خبراء ومعامل وتخطيط فكيف بالأرض والسماوات العظيمة؟
ب- دليل "الحركة": إن تحرك عقارب الساعة اليدوية ودورانها بشكل منتظم يكشف عن وجود محرك وذلك لأنه من غير المعقول أن تحدث الحركة من تلقاء نفسها، وإذا كان ذلك أمراً طبيعياً في تحرك ساعة يدوية، فكيف بـ: ((اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)).
وهكذا ينهض كل من "الوجود" و "الحركة" دليلاً على وجود الله.
هذه كانت بعض عناصر "منهج التدبر القرآني"، وظلت هناك عناصر أخرى مثل "الحكمة" و "التصوير" و "المفارقات" وغير ذلك، تركتاها في هذا الكتاب، وسنتحدث عنها في مجال آخر بإذن الله.
لكي يكون التدبر في القرآن مثمراً ومفيداً، ولكي يكون متكاملاً وسليماً لابد أن تتوفر مجموعة من الشروط في من يتدبر في آيات القرآن الكريم، والشروط هي كتالي:
1. الملاحظة العلمية الدقيقة: إن قسطاً كبيراً من التقدم العلمي الحديث يعود إلى روح البحث والملاحظة التي توفرت في هذا العصر، فربما كان الرجل القديم يمر على ظواهر طبيعية كثيرة دون أن يفكر فيها ليكتشف القوانين الكامنة وراءها، بل كان يمر عليها مرور الكرام. بينما امتلك الإنسان - في بدايات العصور الحديثة - روح البحث العلمي والملاحظة الدقيقة، فبدأ يحقق في كل شيء في هذا الكون، وتوصل من خلال ذلك إلى اكتشافات هائلة3.
والتدبر في القرآن لابد أن تتوفر فيه "الملاحظة الدقيقة" حتى يكون مفيداً مثمراً، وذلك بأن يطرح الإنسان أسئلة مختلفة على نفسه حول مختلف الظواهر القرآنية: لماذا جاءت الكلمة هنا بشكل وجاءت في مكان ثان بشكل آخر؟4 لماذا تقدمت هذه الكلمة على تلك؟5 ما هي الحكمة في إنزال العقاب أو الثواب بأسلوب معين؟6 وهكذا، وهلم جرا.
إن الانتباه إلى أمثال هذه الملاحظات يضع الإنسان على بداية الطريق لفهم قرآني متين، ولكن ذلك لا يكفي، إذ يجب أن يعقب "الملاحظة العلمية" شرط آخر هو:
2. التروي والأناة: فبعد أن تقودنا الملاحظة العلمية إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول الآيات القرآنية علينا أن نبدأ تفكيراً معمقاً للوصول إلى الإجابة.
أن الفكر الإنساني يشبه - إلى حد ما - أشعة الشمس التي توجد في كل مكان، ولكنها لا تستطيع أن تحرق ورقة واحدة، ولكن عندما تركز هذه الأشعة من خلال زجاجة مقعرة فإنها تستطيع أن تقوم بعملية الإحراق، وهكذا الفكر عندما يتركز على نقطة معينة.
وليس من المهم أن تكون "كمية" أفكار الإنسان كثيرة، المهم أن تكون "كيفيتها" ممتازة وجيدة.
وهنا نذكر ملاحظة هامة هي: في بعض الأحيان لا يصل الإنسان إلى أجوبة للتساؤلات المطروحة حول الظواهر القرآنية، وفي هذه الحالة لا يجوز أن يصاب باليأس، بل عليه أن يواصل التفكير، وكثيراً ما يعثر على الإجابة - اليوم أو غداً.
3. عدم التسرع في تقبل الأفكار: إن "للفكرة" في بدايتها بريقاً خاصاً لا يقاوم. ومن هنا نجد الكثيرين يبادرون إلى تقبل الأفكار بمجرد أن تلوح لهم من بعيد، من دون أن يحققوا في مدى صحتها أو سقمها، لذلك فإنهم كثيراً ما يجدون أنفسهم وقد سقطوا في الضلال والانحراف، ولكن بعد خراب البصرة - تماماً - كما تسقط سيارة مسرعة في الهوى العميقة، ثم لا تستطيع منها خلاصاً.
وهنا نخص بالذكر ضرورة الحذر- الأكثر - من التسرع في تقبل نوعين من الأفكار خلال التدبر في القرآن الكريم:
أ- الأفكار الجاهزة: ونعني بها تلك الأفكار المصبوبة في قوالب لطيفة وظريفة. إن على الإنسان أن يهتم بمضمون الفكرة ومحتواها وليس بشكلها الخارجي، وفي سبيل ذلك لابد من التفكير الدقيق المعمق.
ب- الأفكار الشخصية: إن الإنسان "يحابي" ذاته ويتحيز لها، ولذلك فإنه يتسرع في قبول ما أبدعه عقله وتفكيره، دون أن يفكر جدياً في الأمر، ودون أن يرى جوانب القضية المختلفة. من هنا كان على الإنسان أن "يتهم" ما خطر على قلبه، بمعنى أن لا يتقبله بسرعة، بل يفكر فيه بدقة، فإن كان حقاً قبله، وإن كان باطلاً طرحه بعيداً.
4. التتلمذ على يد القرآن: فعلى الإنسان أن يكون التلميذ المتواضع أمام القرآن، عليه أن يسيّر نفسه وفق ما يريده القرآن، لا أن يسير القرآن وفق ما يريده هو. عليه أن يحكم القرآن في أفكاره ورؤاه وليس العكس. ومن دون ذلك سيكون مصير الإنسان الضلال والإنحراف7.
5. الرجوع إلى المصادر، وهي: اللغة والتفاسير وروايات الأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام).
6. الثقة بالنفس: فعلى الإنسان - خلال تدبره في القرآن الكريم - أن لا يستصغر ذاته، ولا يحقر أفكاره، وأن لا يسمح لنفسه بالذوبان في أفكار الآخرين وآراءهم. إن آراء المفسرين السابقين قد تكون ضوءا على الطريق، ولكنها لا يجوز أن تقفل أبواب التفكير أمام الفرد، وتصيب دماغه بالتحجر والجمود. وبعد الثقة يأتي دور:
7. الإبداع: فعلى الإنسان أن يربّي عقليته على "الإبداع"، ويحاول أن يستنبط أفكاراً جديدة ورؤى مبتكرة وذلك ضمن حدود الدين وليس خارجاً عينها، لأن ذلك يعني "البدعة" المنهي عنها في الشرع.
ولنعلم أن التطور الثقافي والحضاري والصناعي إنما توفر بفضل أصحاب العقول المبدعة، فلنحاول أن نكون منهم.
وأخيراً نؤكد - من جديد - على أن استنباط الأحكام الشرعية ونحوها من القرآن الكريم يتوقف على "خبروية" خاصة - كما في العلوم الأخرى - فيجب الرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة وهم المجتهدون الجامعون للشرائط، وفي غير هذه الحالة يمكن أن يستنبط الإنسان مفاهيم خاطئة، فيضل، ويضل

Read More »