زاد الرفيق فى اختصار معالم فى الطريق


مقدمة
تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية بسبب أفلاسها في عالم القيم، فلم يجد المعسكر الغربي ولا الشرقي ما يقدمه للبشرية من قيم، كذلك أدت “ القومية “ و “ الوطنية “ دورها في هذا العصر ولم تعد تملك ما تقدمه للبشرية من قيم تسمح لها بقيادة البشرية، وكذلك الحال بالنسبة للنهضة العلمية التي بلغت ذروتها ولم تعد تمتلك رصيدا من القيم يؤهلها لقيادة البشر.
ولقد جاء دور “ الإسلام “ ودور “ الأمة “ ، فالإسلام قد اعترف بأهمية الابتكار المادي، ويعده من وظائف الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض، ويعتبره - تحت شروط خاصة - عبادة لله، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني .
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً }[ البقرة: 30 ]
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي } [ الذاريات: 56 ]
وجاء دور “ الأمة المسلمة “ لتحقق ما أراده الله بإخراجها للناس:
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ... [ آل عمران: 110 ]
كما أنه قد جاء بقيم ربانية توجه هذا الاستخلاف المادي في الأرض.
.
إنَّ العالم يعيش اليوم كله في “ جاهلية “ من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتـها هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية .. وهي الحاكمية .. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده .. وما مهانة “ الإنسان “ عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم “ الأفراد “ والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم “ الرأسمالية “ إلا أثرًا من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان !، ولا يحرر الإنسان من عبودية الإنسان للإنسان سوى الإسلام الذي  يجعل العبادة لله وحده، والتلقي من الله وحده، والخضوع لله وحده.
فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي؟
إنه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق . تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعًا . تمضي وهي تزاول نوعاً من العزلة من جانب، ونوعاً من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة، ولابد لهذه الطليعة من “ معالم في الطريق “ تبين لها أهداف الطريق، وخصائصه وطبيعة الجاهلية من حولها وكيفية التعامل معها، ولابد أن يكون مصدر هذه المعالم العقيدة والقرآن الكريم الذي تنبثق منه العقيدة، والتصور الذي الذي زرعه القرآن الكريم في نفوس الصفوة الأولى التي غيرت مجرى التاريخ.
ولهذه الطليعة جاء كتاب “ معالم في الطريق .




جيل قرآني فريد
لقد خرجت دعوة الإسلام جيلا فريدا من الصحابة لم يتكرر في التاريخ، ولابد من دراسة سبب هذا التميز عند الصحابة-رضوان الله عيهم- حتى نسير على خطاهم، ونتقارب مع تميزهم، والقرآن الكريم بين أيدينا كما كان بين أيدهم وكذلك سنة المصطفى –صلى الله عليه وسلم-، ولم يغب عنا إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هـو السر؟
لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكَّل إليها أمر الناس في هذه الأرض، إلى آخر الزمان، فماهو سبب تميز ذلك الجيل؟
أسباب تميز جيل الصحابة رضوان الله عليهم:
ثلاث أسباب رئيسية لتميز ذلك الجيل:
السبب الأول: مصدر التلقي عند الجيل الاول......القرآن الكريم:
لقد كان مصدر التلقي عند الجيل الأول هو القرآن الكريم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم تابع له حيث قالت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم: “ كان خلقه القرآن “ () ، فلم يكن عندهم مصدر للتقلي غير القرآن، ولم يختلط عندهم هذا المصدر بثقافات اليونان أو الروم أو الفرس أو غيرهما من الثقافات الأخرى بالرغم من وجودها آنذاك، كان مصدر تصوراتهم وأفكارهم وأحكامهم هو القرآن فقط، وكان هذا الأمر مقصودا من النبي صلى الله عليه وسلم، . يدل على هذا القصد غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى في يد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – صحيفـة مـن التوراة . وقال له: “ إنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبعني
فنما عودهم واشتد على تعاليم القرآن وحده، ولم يحدث هذا مع من بعدهم حيث اختلق مصدر التلقي الأساس وهو القرآن الكريم مع غيره من ثقافات أخرى.
السبب الثاني: منهجية التلقي....التلقي للتنفيذ:
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن() ، يبين هذا القول لابن مسعود رضي الله عنه منهج التلقي للقرآن الكريم عند الصحابة، فقد كانوا يتلقون القرآن الكريم لا لمجرد تذوقه بل لاتباع تعليماته وأوامره، تلقيهم للقرأن الكريم كان للتنفذ، كما يتلقى الجندي في الميدان “ الأمر اليومي “ ليعمل به فور تلقيه !
وتلقي القرآن الكريم بقصد المعرفة المنشئة للعمل هي التي تفتخ آفاقا للعمل وآفاقا من المتاع،
ولهذا الأمر كان القرآن الكريم يتنزل مفرقا:
{ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } [ الإسراء: 106 ]
وكان نزوله مفرقا وفق الأحداث ووفق حاجات الصحابة ليربيهم وفق المنهج الرباني، وليصحح ما يقع منهم من أخطاء في السلوك والمشاعر، وليشعروا أنهم تحت العناية الإلهية، ولتمكنوا من التلقي .....للتنفيذ.
إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول . ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه.
السبب الثالث: قطع العلاقة مع جاهليته السابقة:
كان الصحابي بعد ان يسلم ينزع كل مظاهر الجاهلية وعقائدها التي كن يعتقدها في الجاهلية، ولا يجعل بينه وبين جاهليته السابقة أي صلة، وكان يجعل بينه وبين أهل الجاهلية وتصوراهم عزلة شعورية، وكان ينخلع عن ولائه لقيادة المجتمع الجاهلي عندما ينضم إلى التجمع الإسلامي الجديد، ويعطي ولاءه وتبعيته لقيادة هذا التجمع الإسلامي الجديد، وإذا ضعف يوما وتلبس ببعض أعمال الجاهلية يوما تاب وعاد إلى الله وشعر بالذنب..
وكان هذا مفرق الطريق، وكان بدء السير في الطريق الجديد، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه . ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة، ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى، ولم يعد لضغط التصور الجاهلي، ولا لتقاليد المجتمع الجاهلي عليه من سبيل .
نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام من حيث التصورات والعقائد والقوتنين والفنون والثقافة، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًا .. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية !!

المطلوب من الحركة الإسلامية في بدايتها:
فلا بد إذن - في منهج الحركة الإسلامية - أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها . لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال القىن الكريم، نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق، وجود الله سبحانه .. ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة، وقيمنا وأخلاقنا، ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة .
ولا بد أن نرجع إليه - حين نرجع - بشعور التلقي للتنفيذ والعمل،  نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون، لنكون . وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص الرائع في القرآن، وبمشاهد القيامة في القرآن .. وبالمنطق الوجداني في القرآن .. وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع . ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول، إن هدفنا الأول أن نعرف: ماذا يريد منا القرآن أن نعمل؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟
تنبيه:
ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له، فهو بهذه الصفة .. صفة الجاهلية .. غير قابل لأن نصطلح معه . إن مهمتنا أن نغيِّر من أنفسنا أولاً لنغير هذا المجتمع أخيرًا .
لابد من الاستعلاء على المجتمع الجاهلي وعلى قيمه وتصوراته، وألا نعدِّل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق . كلا ! إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق !
وسنلقى في هذا عنتًا ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية، وإنه من الخير لنا أن نعرف طبيعة منهجنا وطبيعة موقفنا.





طبيعة المنهج القرآني
العقيدة أولا:
ظل القران المكِّي  ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عاماً كاملة، يحدِّثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير، وهي القضية الكبرى، ألا وهي قضية العقيدة، ممثلة في قاعدتها الرئيسية الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة .
تلك القضية التي تبين للإنسان علاقته بخالقه وبالكون وما فيه من مخلوقات، وتبين من أين جاء وماهي نهايته وماهي وظيفته في الحياة الدنيا، وهي قضية تهم كل إنسان في أي زمان، ولم يتجاوز القرآن المكي قضية العقيدة إلى التشريعات التفصيلية المتعلقة بحياة المسلم في مجتمعه إلا بعدما رسخت العقيدة في قلوب الصحابة –رضوان الله عليهم، ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب ! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى “ إله “ ومعنى: “ لا إله إلا الله “ . كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا .. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، وردّه كله إلى الله .. السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان .. كانوا يعلمون أن “ لا إله إلا الله “ ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله، ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها هذه الحرب التي يعرفها الخاص والعام ..
فَلِمَ كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ وَلِمَ اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء؟
مناهج دعوية أيسر لكنها مرفوضة:
لقد كانت هناك عدة خيارات دعوية-وفق منظورنا البشري- متاحة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أيسر من البداية بالعقيدة، فما هي هذه الخيارات؟ ولماذ هي مرفوضة؟
المنهج الأول: الدعوة القومية:
لقد بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين، وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس !
بلاد الشام كلهـا في الشمال خاضعة للروم، يحكمها أمراء عرب من قِبَل الروم، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز وتهامة ونجد، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك !
فلو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته بتوحيد القبائل العربية، ورفع راية القومية العربية وحرض القبائل العربية على استرداد أراضيها الخصباء من الروم والفرس، لاتبعته القبائل العربية قاطبة، ولسلمته أمارتها وقيادتها، وكان بإمكانه بعد ذلك أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها، في تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَّدهم لسلطانه البشرى، وهذا أيسر له من دعوة تعارض أهواء أصحاب السلطان فيعادوه دفاعا عن أهوائهم،
لكن الله عز وجل لم يشأ لنبيه أن يحرر الناس من سلطان الطاغوت الروماني أو الفارسي، ليقعوا تحت سلطان الطاغوت العربي!
فالطاغوت كله طاغوت ! إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله . ولا تخلص لله إلا أن ترتفع عليها راية: “ لا إله إلا الله “ ، إن النـاس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيداً لله وحده إلا أن ترتفع راية: “ لا إله إلا الله “ - لا إله إلا الله كما يدركهـا العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا الله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، لأن السلطان كله لله، هذا هو السبب الأول.
والسبب الثاني هو أن “ الجنسية “ التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله، فهذا هو الطريق  الصحيح وإن كانت فيه مشقة.
المنهج الثاني: الإصلاح الاجتماعي:
وبُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعاً للثروة والعدالة . قلة قليلة تملك المال والتجارة، وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع . والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة، وجماهير كثيرة ضائعة من المال والمجد جميعاً !
وربما قيل: أنه كان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعها راية اجتماعية، وأن يثيرها حرباً على طبقة الأشراف، وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع، ورد أموال الأغنياء على الفقراء، فتقف معه عندئذ الأكثرية الفقيرة ضد الاقلية الغنية، فتوليه قيادتها وتنتصر على الأقلية الغنية، وبعدها يستغل سلطانه لتعبيد الناس ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه!
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم، لم يوجهه هذا التوجيه ..
لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق .. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثـق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل، يرد الأمر كله لله، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع، ومن تكافل الجميع، ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه سواء أنه ينفذ نظاماً شرعه الله، ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء . فلا تمتلئ قلوب بالطمع، ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي تقوم على غير “ لا اله إلا الله .
المنهج الثالث: الدعوة الأخلاقية:
وبُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى - إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية
كان التظـالم فاشياً في المجتمع، تعبر عنـه حكمة الشاعر “ زهير بن أبي سلمى :
و من لم يذد عن حوضه بسلاحه        يهدَّم، ومن لا يظلم الناس يُظلمِ
وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، ومن مفاخره كذلك ! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته، وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا المجتمع - شأنه شأن كل مجتمع جاهلي قديم أو حديث - كالتي روته عائشة- رضي الله عنه-()
وربما قيل: أنه كان قي استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس .
وربما قيل: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان واجداً وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوساً طيبة يؤذيها هذا الدنس، وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهر .
وربما قال قائل: أنه لو صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك لاستجابت له - في أول الأمر - جمهـرة صالحة، تتطهر أخلاقها، وتزكوا أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها، بدلاً من أن تثير دعوة “ لا إله إلا الله “ المعارضة القوية منذ أول الطريق .
ولكن الله - سبحانه - كان يعلم أن ليس هذا هو الطريق ! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم، كما تقرر السلطة التي تستند إليها هذه الموازين والقيم-ألا وهي السلطة الإلهية-، والجزاء الذي تملكه هذه السلطة، وتوقعه على الملتزمين والمخالفين . وإنه قبل تقرير هذه العقيدة، وتحديد هذه السلطة تظل القيم كلها متأرجحة وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك، بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء !
نتائج تطبيق المنهج الرباني في الدعوة:
كان من ثمرات التركيز على العقيدة أولا أن تحققت غايات المناهج المقترحة السابقة، وهي:
أولا: تحرر الناس من السلطان الروماني والفارسي وغيره، وتقرر في قلوبهم سلطان الله.
ثانيا: تخلص المجتمع من الظلم الاجتماعي، وقام مكانه النظام الإسلامي الذي يزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية ويسميها رايـة “ الإسلام “ . لا يقرن إليها اسماً آخر، ويكتب عليهـا: “ لا اله إلا الله !
ثالثا: تطهرت النفوس، وهذبت الاخلاق، خوفا من الله وطمعا في مرضاته، ولم يحتج إلى الحدود إلا في النادر.
لماذا تم التمكين للجيل الأول، وكيف اصبحوا أمناء على سلطان الله في الارض؟ ؟
لقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك . وكانوا قد وُعِدُوا على إقامة هذا الدين وعداً واحداً، وعداً واحداً لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا، وعداً واحداً هو الجنة، هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان، وهو: “ لا إله إلا الله !
فَلَمَّا أن ابتلاهم الله فصبروا، ولَمَّا أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولَمَّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائناً ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولَمَّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت .. لَمَّا أن علم الله منهم ذلك كله، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى .. أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله - سبحانه - بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم . إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إياه .
ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبـدأ الدعوة ذلك البدء . وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدهـا .. راية لا إله إلا الله .. ولا ترفع معها سواها، وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته.
لماذا لم تبدأ الدعوة الإسلامية بتفصيلات النظام التشريعي في الإسلام؟ ؟
السبب الأول: العقيدة هي الأساس الذي تقوم عليه التشريعات:
إن طبيعة هذا الدين هـي التي قضت بهذا .. فهو دين يقوم كله علـى قاعدة الألوهية الواحدة .. كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير، فالتشريعات التي جاء بها الدين كالشجرة، وقاعدة الألوهية هي الجذور لهذه الشجرة، فلابد لهذا الشجرة الوارفة الظلال من جذور عميقة قوية كي تثبتها وتبقيها .
ومتى استقرت عقيدة: “ لا إله إلا الله “ في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه “ لا إله إلا الله “ ، وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيـه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته . فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان، وهكذا أبطلت الخمر، وأبطل الربا، وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها .. أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها وإعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات .
السبب الثاني: الجدية والواقعية من طبيعة هذا الدين:
أن  منهجية هذا الدين في التغيير واقعية وجادة، فهي لا تقوم على الفرضيات، فلا يمكن أن تسن التشريعات لمجتمع لم يقر بالحاكمية لله كما كان الحال في مكة، ولم يكن للمؤمنين الصادقين آنذاك أي سلطان على مجتمعهم ولا حتى على أنفسهم، فلمن تسن التشريعات التفصيلية إذن؟
ولما قامت للمسلمين دولة في المدينة جاءت التشريعات التفصيلية المتعلقة بمعاملات الناس من بيع وشراء، وكذلك نزلت الحدود الشرعية، فقد وجد المجتمع المقر بالحاكمية لله عز وجل، و صار لهم سلطان على دولتهم وعى كيانهم الجديد.
هل نبدأ دعوتنا بترغيب الناس بالتشريعات الإسلامية التفصيلية وبيان محاسنها؟
لقد يخيل لبعض المخلصين أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس، مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين !
وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة ! وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيراً للطريق !
إن القلوب يجب أن تخلص أولاً لله، وتعلن عبوديتها له وحده، وتحرر من أي سلطان سواه، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره .. من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه !
إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة . إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيّاً كان، ورفض كل شرع غيره أيّاً كان، هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام مدلول سواه، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان !
كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة؟ ؟
لقد امتاز القرآن المكي في معالجته لقضية للعقيدة بالميزات التالية:
1)  لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة “ الإنسان “ بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها .
2) لم تعالج قضية العقيدة الإسلامية بشكل نظري أو بشكل علوم كلامية، بل كانت على شكل تجمع بشري عضوي يحمل افراده تصور عقديا عن الإله والكون والحياة.
3) كان هذا التجمع العضوي في حركة دائبة بعقيدته التي يحملها، يدعو إليها، ويواجه الجاهلية دفاعا عنها، فالقرآن كان يبني العقيدة في الضمائر المسملة، وهو بنفس الوقت يخوض معهم الصراع مع الجاهلية.
وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي، ولا يتمثل من خلاله، هو خطأ وخطر كذلك، بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته، وطريقة تركيبه الذاتي .
والله - سبحانه - يقول:
{ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } .. [ الإسراء: 106 ]
فالفرق مقصود . والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني، المؤلف من عقيدة في صورة “ منظمة حية “ لا في صورة “ نظرية !
يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيداً أنه - كما إنه في ذاته دين رباني - فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك . متواف مع طبيعته، وإنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل .
هذه المنهجية في طرح العقيدة وفي التركيز عليها منهجية أصيلة لكل زمان وجيل:
فإذا نحن عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل، وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى، إنما هو المنهج الذي لا يقـوم بناء هذا الدين - في أي وقت - إلا به .
إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب، ولكن كانت وظيفته كذلك أن يغير منهج تفكيرهم، وتناولهم للتصور وللواقع، ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة .
سؤال ماكر تطرحه الجاهلية: أين تفصيلات نظامكم الإسلامي؟
وتتعمد الجاهلية أحياناً أن تحرج بعض المخلصين  فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن دراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة ! كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الإسلامية . وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته، ولكنهم فقط لا يجدون من “ المجتهدين “ فقهاً مقنناً بالطريقة الحديثة ! .. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمة !
الإرادة الكونية تتوافق مع الإرادة الشرعية في النظام الإسلامي:
خلق الكون والسيطرة على حركة الكواكب، وحالة الصحة والمرض، والموت والحياة كلها أمور تتم بإرادة الله، وتسمى إرادة كونية، وهي إرادة لا راد لها ولا سلطان عليها إلا لله عز وجل، والذي خلق الكون وسيره بإرادتهم الكونية هو الذي أنزل التشريعات المختلفة المنظمة لعلاقة الإنسان مع ربه ومع الكون ومع مجتمعه، وأراد لنا أن نتبع هذه التشريعات الربانية، ولكن إرداته هذه ليست إجبارية علينا فإمكاننا فعلها وبإمكاننا تركها وحسابنا على الله، وتسمى إرادة شرعية، فكما أننا نخضع للإرادة الكونية لله عز وجل رغما عنا  فلا بد أن نطبق الإرادة الشرعية الاختيارية، ليكون هناك تناسق في الكون وتناسق مع الفطرة الإنسانية، فالذي خلقنا وخلق فطرتنا بإرادته الكونية ، هو الذي أنزل ما يناسبها من أحكام شرعية وأمرنا بإرادته الشرعية أن نتبعها، فالذي خلق هو الأعلم بمصلحة ما خلق، ولذلك فإن الجاهلية تجعل التناقض بين الكون والفطرة وبين تشريعاتها، لأن تشريعاتها لم تأت من خالق الفطرة بل من مخلوق قاصر لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
تجمع الجاهلية لا يواجه إلا بتجمع إسلامي مقابل:
الجاهية ليست مجرد نظرية يتبناها مجوعة من الناس، بل هي تجمع بشري تربطهم مع بعضهم البعض روابط الولاء والمناصرة، وهوتجمع حركي يحارب ويقاوم من يهدد وجوده وكيانه، ولا بد للمسلمين من تجمع إيماني يجمعهم وقيادة تسيرهم بعيدة عن قيادة الجاهلية، لكي تكافئ وتواجه التجمع الجاهلي، و إن عدم تجمع المسلمين الصادقين في تجمع يجمعهم  وبقاؤهم أفرادا متفرقين وسط المجتمع الجاهلي و مهما كثر عددهم  لا يمكن أن يؤدي إلى “ وجود فعلي “ للإسلام، لأن الأفراد “ المسلمين نظرياً “ الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرون حتماً للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية .. سيتحركون - طوعاً أو كرهاً، بوعي أو بغير وعي - لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا .. أي أن الأفراد “ المسلمين نظرياً “ سيظلون يقومون “ فعلاً “ بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون “ نظرياً “ لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد ! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوى، وذلك بدلاً من أن تكون حركتهم فـي اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي !
ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام ( أي العقيدة )  في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى، وأن يكون محور التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته - وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولاءه من التجمع الحركي الجاهلي - أي التجمـع الذي جاء منه - ومن قيادة ذلك التجمع - في أية صورة كانت، سواء كانت في صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم، أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش - وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد، وفي قيادته المسلمة .
من ميزات المجتمع الإسلامي:
لقد قام التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة الحدود الإقليمية السخيفة ! ولإبراز “ خصائص الإنسان “ في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً مفتوحاً لجميع الأجناس والأقوام والألوان واللغات، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة !
لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق: العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والأندونيسي والأفريقي .. إلى آخر الأقوام والأجناس، ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة وبآصرة الحب، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة . فبذلوا جميعهم أقصى كفاياتهم، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم، وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق، وهذا ما لم يجتمع قط لأي تجمع آخر على مدار التاريخ ! ..
ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوماً ما “ عربية “ إنما كانت دائماً “ إسلامية “ ، ولم تكن يوماً “ قومية “ إنما كانت دائماً “ عقيدية .
لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلاً . فقد جمعت بالفعل أجناساً متعددة، ولغات متعددة، ولكن هذا كله لم يقم على “ آصرة إنسانية “ ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة، لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية، وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني - بصفة عامة - وعبودية سائر الأجناس الأخرى . ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي . ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي .
كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى .. تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلاً .. ولكنه كان كالتجمع الروماني الذي هو وريثه ! تجمعاً قومياً استغلالياً، يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية .. ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها: الإمبراطورية الأسبانية والبرتغالية في وقت ما، والإمبراطورية الفرنسية .. كلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت ! وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعاً من نوع آخر، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون، ولكنها لم تقمه على قاعدة “ إنسانية “ عامة، إنما أقامته على القاعدة “ الطبقية “ . فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم .. هذا تجمع على قاعدة طبقة “ الأشراف “ وذلك تجمع على قاعدة طبقة “ الصعاليك “ ( البروليتريا ) ، والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى ! وما كان لمثل هذا التجمع الصغير البغيض أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني .. فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها باعتبار أن “ المطالب الأساسية “ للإنسان هي “ الطعام والمسكن والجنس “ - وهي مطالب الحيوان الأولية - وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام !!!
لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني . وما يزال متفرداً .. والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر، يقوم على أية قاعدة أخرى من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة  هم أعداء الإنسان الذين لا يريدون لمجتمعه أن ينتفع بأقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق .. وهم الذين يقول الله سبحانه في أمثالهم:
{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً، ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً }  [ الكهف: 103- 106 ]





الجِهَادُ في سَبِيْل الله
مراحل الجهاد في سبيل الله إجمالا():
لقد مر تشريع الجهاد في الإسلام بعدة مراحل نوجزها بما يلي:
1-مرحلة الصبر والكف عن قتال الكفار في مكة، والاكتفاء بالدعوة إلى الله دون قتال.
2-مرحة الإذن بقتال من قاتل المسلمين من الكفر دون غيرهم.
3-مرحلة الأمر بقتال الكفار حتى يكون الدين كله لله، فإما الإسلام أو الاستسلام لنظام الإسلام.
من سمات المنهج الحركي في الإسلام من خلال مراحل تشريع الجهاد:
أ-الواقعية والجدية في نهجية الحركة في الدين: فهو يواجه القوة الجاهلية بما يوافقها، فالافكار الجاهلية تواجه بالدعوة والبيان، والقوة الجاهلية المادية تواجه بالجهاد لإزالتها.
ب-المرحلية والمواكبة للتطورات والأحداث في منهجية الحركة لهذا الدين: فحركته حركة ذات مراحل، لكل مرحلة ما يناسب ظروفها وحاجياتها.
ج-وضوح الغاية والهدف الرئيسي من أول يوم: فبالرغم من تعدد المراحل، إلا أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لعشيرته ثم لقبيلته ثم للناس أجمع كان خطابا واضح الغاية والهدف، كان يخاطبهم جميعا بهدف واحد إلا وهو إخلاص العبودية لله عز وجل.
د-وضوح العلاقة التشريعية بين المجتمع المسلم وبين العالم: وهي علاقة قائمة على أساس  أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي ينبغي على البشرية كلها أن تخضع إليه، أو أن تسالم المسلمين لله عز وجل، وإلا قاتل المسلمون من يأبى الإسلام لله  أو الإستسلام للنظام الإسلامي.
الغاية الرئيسية للجهاد في الإسلام ودفع شبهة الإكراه على الدين:
وغاية الجهاد في الإسلام مركبة من أمرين:
أ-إزالة الحواجز والقوى المادية الت تمنع وصول الحق للناس.
ب-بعد إزلة هذه القوى التي تمنع الناس من اتباع الحق، وتنمعهم عن الاستماع إليه، يؤمر الناس بالدخول إلى تحت النظام الإسلامي العام القائم على إخلاص العبودية لله، والدخول تحت النظام الإسلامي لايكون بإكراه الناس على اعتقاد عقيدة الإسلام بل هم امام خيارين اثنين():
الخيار الأول: أن يسلموا بكامل حريتهم.
الخيار الثاني: أن يبقوا على عقيدتهم، ولكنهم تحت نظام الحكم الإسلامي، فيدفعوا الجزية للدولة الإسلامية، و تطبق عليهم الأحكام التي تطبق على المسلمين إلا ما يتعق بعقيدتهم، ومما استثناه الفقه الإسلامي من التعامل معهم، فلهم خصوصية ببعض الأحكام ذكرها الفقهاء في باب التعامل مع أهل الذمة.
فالنظام الإسلامي أعم من العقيدة الإسلامية، فلا إكراه على العقيدة، ولكن لابد من الدخول تحت النظام الإسلامي العام، وهكذا نجمع بين قوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال: ٣٩]  وبين قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: ٢٥٦]
النصوص الشرعية والنماذج التاريخية تبين غاية الجهاد الرئيسية:
ونظرة إلى النصوص القرآنية المتعلقة بالجهاد تبين لنا المبررات الشرعية للجهاد في سبيل الله، قال تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً }.. [ النساء: 74 - 76 ]
{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } [ الأنفال: 38 - 40 ]
{ قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } ... [ التوبة: 29 - 32 ] .
إنها مبررات تقرير ألوهية الله في الأرض، وتحقيق منهجه في حياة الناس، ومطاردة الشياطين ومناهج الشياطين، وتحطيم سلطان البشر الذي يتعبد الناس، والناس عبيد لله وحده، لا يجوز أن يحكمهم أحد من عباده بسلطان من عند نفسه وبشريعة من هواه ورأيه ! وهذا يكفي .. مع تقرير مبدأ: “ لا إكراه في الدين “ .. أي لا إكراه على اعتناق العقيدة، بعد الخروج من سلطان العبيد، والإقرار بمبدأ أن السلطان كله لله، أو أن الدين كله لله، بهذا الاعتبار .
لقد بين الله للمؤمنين في أول ما نزل من الآيات التي أذن لهم فيها بالقتال أن الشأن الدائم الأصيل في طبيعة هذه الحياة الدنيا أن يدفع الناس بعضهم ببعض، لدفع الفساد عن الأرض:
{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً } .. [ الحج: 39 - 40 ]
وإذن فهو الشأن الدائم لا الحالة العارضة . الشأن الدائم أن لا يتعايش الحق والباطل في هذه الأرض . وأنه متى قام الإسلام بإعلانه العام لإقامة ربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من العبودية للعباد، رماه المغتصبون لسلطان الله في الأرض ولم يسالموه قط، وانطلق هو كذلك يدمر عليهم ليخرج الناس من سلطانهم ويدفع عن “ الإنسان “ في “ الأرض “ ذلك السلطان الغاصب .. حال دائمة لا يقف معها الانطلاق الجهادي التحريري حتى يكون الدين كله لله .
إنها مبررات التحرير العام للإنسان في الأرض . بإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك .. وهذه وحدها تكفي .. لقد كانت هذه المبررات ماثلة في نفوس الغزاة من المسلمين، فلم يسأل أحد منهم عما أخرجه للجهاد فيقول: خرجنا ندافع عن وطننا المهدد ! أو خرجنا نصد عدوان الفرس أو الروم علينا نحن المسلمين ! أو خرجنا نوسع رقعتنا ونستكثر من الغنيمة!
لقد كانوا يقولون كما قال ربعي بن عامر . وحذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة جميعاً لرستم قائد جيش الفرس في القادسية، وهو يسألهم واحداً بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية، قبل المعركة: ما الذي جاء بكم؟ فيكون الجواب: “ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . ومن ضيق الدنيا إلى سعتها . ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه . ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر .
هل كانت غاية الجهاد الرئيسية الدفاع عن الأوطان؟
الذي يدرك طبيعة هذا الدين - على النحو المتقدم - يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف - إلى جانب الجهاد بالبيان - ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية - بالمعنى الضيق الذي يفهم اليوم من اصطلاح “ الحرب الدفاعية “ كما يريد المهزومون - أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام هجوم المستشرقين الماكر - أن يصوروا حركة الجهاد في الإسلام - إنما كان حركة اندفاع وانطلاق لتحرير “ الإنسان “ في “ الأرض “ .. بوسائل مكافئة لكل جوانب الواقع البشري، وفي مراحل محددة لكل مرحلة منها وسائلها المتجددة .
وإذا لم يكن بد أن نسمي حركة الإسلام الجهادية حركة دفاعية، فلا بد أن نغير مفهوم كلمة “ دفاع “ ، ونعتبره “ دفاعاً عن الإنسان “ ذاته، ضد جميع العوامل التي تقيد حريته وتعوق تحرره .. هذه العوامل التي تتمثل في المعتقدات والتصورات، كما تتمثل في الأنظمة السياسية، القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية، التي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام، والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان !
وبهذا التوسع في مفهوم كلمة “ الدفاع “ نستطيع أن نواجه حقيقة بواعث الانطلاق الإسلامي في “ الأرض “ بالجهاد، ونواجه طبيعة الإسلام ذاتها، وهي أنه إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، وتقرير ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، وتحطيم مملكة الهوى البشري في الأرض، وإقامة مملكة الشريعة الإلهية في عالم الإنسان ..
أما محاولة إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامي بالمعنى الضيق للمفهوم العصري للحرب الدفاعية، ومحاولة البحث عن أسانيد لإثبات أن وقائع الجهاد الإسلامي كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على “ الوطن الإسلامي “ - وهو في عرف بعضهم جزيرة العرب - فهي محاولة تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين، ولطبيعة الدور الذي جاء ليقوم به في الأرض . كما أنها تشي بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر، وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي !
ترى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - قد أمنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة أكانوا يقعـدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض؟ وكيف كانوا يدفعون هذا المد، وأمام الدعوة تلك العقبات المادية من أنظمة الدولة السياسية، وأنظمة المجتمع العنصرية والطبقية، والاقتصادية الناشئة من الاعتبارات العنصرية والطبقية، والتي تحميها القوة المادية للدولة كذلك؟ !
إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يخلى بينها وبين الأفراد، تخاطبهم بحرية، وهم مطلقوا السراح من جميع تلك المؤثرات .. فهنا “ لا إكراه في الدين “ .. أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من هذه الأغلال !
من أسباب عدم الإذن بالجهاد في مكة:
إن الكف عن القتال في مكة لم يكن إلا مجرد مرحلة في خطة طويلة . كذلك كان الأمر أول العهد بالهجرة . والذي بعث الجماعة المسلمة في المدينة بعد الفترة الأولى للانطلاق لم يكن مجرد تأمين المدينة .. هذا هدف أولي لا بد منه، ولكنه ليس الهدف الأخير .. إنه هدف يضمن وسيلة الانطلاق، ويؤمن قاعدة الانطلاق .. الانطلاق لتحرير “ الإنسان “ ، ولإزالة العقبات التي تمنع “ الإنسان “ ذاته من الانطلاق ! () وقد يكون من أسباب عدم الإذن بالجهاد للمسلمين:
-تربية الصحابة على الصبر وعدم الانتقام لأنفسهم، وتربيتهم على الانصباط.
-لأن قتال قريش في تلك الفترة الزمنية ربما يدفع قرشي إلى مزيد من العناد والتشدد.
-لأن النخوة العربية آنذاك كانت تثأر للمظلوم الثابت على حقه.
-حتى لاتحدث مقتلة في كل بيت، مما يسيئ إلى الدعوة الإسلامية إعلاميا وهي مازالت في بدايتها.
-لقلة المسلمين في تلك المرحلة وكثرة وقوة عدوهم.
-لأن الرسول-صلى الله عليه وسلم - كان يعلم بتعليم الله إياه أن كثير من المعاندين لدعوته اليوم سيكونون من جند الإسلام المخلصين مستقبلا.
وهي أسباب عارضة ليست أصيلة ولا دائمة، ولقد زالت هذه الأسباب بعد الهجرة إلى المدينة
وتوالت بعدها غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم.
أيهما أهم ميزان الإسلام: الأرض (الوطن)  أم منهج الذي يطبق على الأرض؟
الذين يبحثون عن مبررات للجهاد الإسلامي في حماية “ الوطن الإسلامي “ يغضون من شأن “ المنهج “ ويعتبرونه أقل من “ الموطن “ وهذه ليست نظرة الإسلام إلى هذه الاعتبارات . إنها نظرة مستحدثة غريبة على الحس الإسلامي، فالعقيدة والمنهج الذي تتمثل فيه والمجتمع الذي يسود فيه هذا المنهج هي الاعتبارات الوحيدة في الحس الإسلامي . أما الأرض - بذاتها - فلا اعتبار لها ولا وزن ! وكل قيمة للأرض في التصور الإسلامي إنما هي مستمدة من سيادة منهج الله وسلطانه فيها، وبهذا تكون محضن العقيدة وحقل المنهج و “ دار الإسلام “ ونقطة الانطلاق لتحرير “ الإنسان .
وحقيقة: إن حماية “ دار الإسلام “ حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج . ولكنها ليست الهدف النهائي، وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي، إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته . فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين والأرض هي مجاله الكبير !
المجتمع الإسلامي يدافع عن نفسه وينطلق إلى العالم:
لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له، لأن مجرد وجوده في صورة إعلان عام لربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية، إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله - القائمة على قاعدة العبودية للعباد - أن تحاول سحقه، دفاعاً عن وجودها ذاته، ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه ..
هذه ملابسة لا بد منها، تولد مع ميلاد الإسلام ذاته، وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضاً، ولا خيار له في خوضها، وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلاً .. .
وفق هذه النظرة يكون لا بد للإسلام أن يدافع عن وجوده، ولا بد أن يخوض معركة دفاعية مفروضة عليه فرضاً ..
ولكن هناك حقيقة أخرى أشد أصالة من هذه الحقيقة .. إن من طبيعة الوجود الإسلامي ذاته أن يتحرك إلى الأمام ابتداء . لإنقاذ “ الإنسان “ في “ الأرض “ من العبودية لغير الله، ولا يمكن أن يقف عند حدود جغرافية، ولا أن ينزوي داخل حدود عنصرية، تاركاً “ الإنسان “ .. نوع الإنسان .. في “ الأرض “ .. كل الأرض .. للشر والفساد والعبودية لغير الله .
إن المعسكرات المعادية للإسلام قد يجيء عليها زمان تؤثر فيه ألا تهاجم الإسلام، إذا تركها الإسلام تزاول عبودية البشر للبشر داخل حدودها الإقليمية، ورضى أن يدعها وشأنها ولم يمد إليها دعوته وإعلانه التحريري العام ! ولكن الإسلام لا يهادنها، إلا أن تعلن استسلامها لسلطانه في صورة أداء الجزية، ضماناً لفتح أبوابها لدعوته بلا عوائق مادية من السلطات القائمة فيها .
هذه طبيعة هذا الدين، وهذه وظيفته، بحكم أنه إعلان عام لربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله في الناس أجمعين !
وفرق بين تصور الإسلام على هذه الطبيعة، وتصوره قابعاً داخل حدود إقليمية أو عنصرية، لا يحركه إلا خوف الاعتداء ! إنه في هذه الصورة الأخيرة يفقد مبرراته الذاتية في الانطلاق !
إن مبررات الانطلاق الإسلامي تبرز بوضوح وعمق عند تذكر أن هذا الدين هو منهج الله للحياة البشرية، وليس منهـج إنسان، ونحن لا نبحث عن مبررات خارجية إلا حين تفتر في حسنا هذه الحقيقة الهائلة .. حين ننسى أن القضية هي قضية ألوهية الله وعبودية العباد .. إنه لا يمكن أن يستحضر إنسان ما هذه الحقيقة الهائلة ثم يبحث عن مبرر آخر للجهاد الإسلامي !
والمسافة قد لا تبدو كبيرة عند مفرق الطريق، بين تصور أن الإسلام كان مضطراً لخوض معركة لا اختيار له فيها، بحكم وجوده الذاتي ووجود المجتمعات الجاهلية الأخرى التي لا بد أن تهاجمه، وتصور أنه هو بذاته لا بد أن يتحرك ابتداء، فيدخل في هذه المعركة ..
المسافة عند مفرق الطريق قد لا تبدو كبيرة، فهو في كلتا الحالتين سجاهد، ولكنها في نهاية الطريق تبدو شاسعة، تغير المشاعر والمفهومات الإسلامية تغييراً كبيراً .. خطيراً .
إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء  لأنه منهج إله، ونظام عالم .. ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية “ الإنسان “ في الاختيار . والإسلام ليس مجرد عقيدة، حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان . إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس، والتجمعات الأخرى لا تمكِّنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو، ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرير العام، وهذا - كما قلنا من قبل - معنى أن يكون الدين كله لله.
إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر وتحت الهجوم الاستشراقي الماكر، يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة، لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة . والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيداً أن هذه ليست هي الحقيقة، ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة .. ومن ثم يقوم المنافحون - المهزومون - عن سمعة الإسلام، بنفي هذا الاتهام، فيلجأون إلى تلمس المبررات الدفاعية ! ويغفلون عن طبيعة الإسلام، وحقه في “ تحرير الإنسان “ ابتداء .
فإذا كف الله أيدي الجماعة المسلمة فترة عن الجهاد، فهذه مسألة خطة لا مسألة مبدأ، مسألة مقتضيات الحركة لا مسألة عقيدة .. وعلى هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم النصوص القرآنية المتعددة، في المراحل التاريخية المتجددة، ولا نخلط بين دلالتها المرحلية، والدلالة العامة لخط الحركة الإسلامية الثابت الطويل .

لا إِله إِلاّ اللهُ مَنْهَجُ حَيَاة()
حقيقة العبودية وكيفيتها:
العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة: أن لا إله إلا الله . والتلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كيفية هذه العبودية - هو شطرها الثاني، المتمثل في شهادة أن محمداً رسول الله .
والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها، لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، إنما هو مقتضى لها، والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضايتها جميعاً لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضايتها فيه لا يكون مسلماً .
{ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } ...     [ يوسف: 40 ]
{ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } ..      [ النساء: 80 ]
*     *     *
هذا التقرير الموجز المطلق الحاسم يفيدنا في تحديد كلمة الفصل في قضايا أساسية في حقيقة هذا الدين، وفي حركته الواقعية كذلك:
إنه يفيدنا أولاً في تحديد “ طبيعة المجتمع المسلم .
ويفيدنا ثانياً في تحديد “ منهج نشأة المجتمع المسلم .
ويفيدنا ثالثاً في تحديد “ منهج الإسلام في مواجهة المجتمعات الجاهلية .
ويفيدنا رابعاً في تحديد “ منهج الإسلام في مواجهة واقع الحياة البشرية .
وهي قضايا أساسية بالغة الخطورة في منهج الحركة الإسلامية قديماً وحديثاً .
*     *     *
السمة الأولى للمجتمع المسلم:
إن السمة الأولى المميزة لطبيعة ( المجتمع المسلم )  هي أن هذا المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله .. هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله .
وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي، كما تتمثل في الشعائر التعبدية، كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء .
فليس عبداً لله وحده من لا يعتقد بوحدانية الله سبحانه:
{ وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ } ...    [ النحل: 51 - 52 ]
ليس عبداً لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله - معه أو من دونه:
{ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }   [ الأنعام: 162 - 163 ]
وليس عبداً لله وحده من يتلقى الشرائع القانونية من أحد سوى الله، عن الطريق الذي بَلَّغَنَا الله به، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } [ الشورى: 21 ]
{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }  [ الحشر: 7 ]
ولقد قلنا: إن العبودية لله تتمثل في “ التصور الاعتقادي “ والتصور الاعتقادي هو التصور الذي يتلقها المسلم من ربه عن خالقه عن الكون، وعن البشر، وعن عالم الغيب والشهادة، وعن غايته في الكون وعن نهايته، وعلى أساس هذا التصور يكون تعامله مع ربه بالعبودية له، ومع الكون بتسخيره وفق أوامر الله ووفق شريعته، و مع البشر وفق التعليمات الربانية من الكتاب والسنة النبوية، ويكون نشاط الحياة كلها وفق هذا التصور
*     *     *
فكيف ينشأ هذا المجتمع المسلم؟ وما منهج هذه النشأة؟
إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله .. لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور والعبادات، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع .. ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة .
عندئذ - وعندئذ فقط - تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلماً كذلك، وإذن فإنه قبل التفكير في إقامة نظام مجتمع إسلامي، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام .. ينبغي أن يتجه الاهتمام أولاً إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله - في أي صورة من صورها التي أسلفنا - وأن يتجمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة مشتقة من المجتمع الجاهلي ومواجهة له، وهي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، وينظم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته  التي تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله .
هكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم .
وقد ينضم المجتمع الجاهلي القديم بكامله إلى المجتمع الإسلامي الجديد وقد لا ينضم، كما أنه قد يهادن المجتمع المسلم الجديد أو يحاربه، وإن كانت السنة قد جرت بأن يشن المجتمع الجاهلي حرباً لا هوادة فيها، سواء على طلائع هذا المجتمع في مرحلة نشوئه - وهو أفراد أو مجموعات - أو على هذا المجتمع نفسه بعد قيامه فعلاً - وهو ما حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية منذ نوح عليه السلام، إلى محمد عليه الصلاة والسلام، بغير استثناء،
وطبيعي أن المجتمع المسلم الجديد لا ينشأ، ولا يتقرر وجوده إلا إذا بلغ درجة من القوة يواجه بها ضغط المجتمع الجاهلي القديم، قوة الاعتقاد والتصور، وقوة الخلق والبناء النفسي، وقوة التنظيم والبناء الجماعي، وسائر أنواع القوة التي يواجه بها ضغط المجتمع الجاهلي ويتغلب عليه، أو على الأقل يصمد له !
*     *     *
لكن ما هو “ المجتمع الجاهلي “ ؟ وما هو منهج الإسلام في مواجهته؟
إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم ! وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمـع لا يخلص عبوديته لله وحده .. متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية ..
وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار “ المجتمع الجاهلي “ جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً !!
تدخل فيه المجتمعات الشيوعية .. أولاً: بإلحادها في الله - سبحانه - وبإنكار وجـوده أصلاً، ورجع الفاعلية في هذا الوجود إلى “ المادة “ أو “ الطبيعة “ ، ورجع الفاعلية في حياة الإنسان وتاريخه إلى “ الاقتصاد “ أو “ أدوات الإنتاج “ ، ثانياً “: بإقامة نظام العبودية فيه للحزب - على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعة ! - لا لله سبحانه .
وتدخل فيه المجتمعات الوثنية - وهي ما تزال قائمة في الهند واليابان والفلبين وأفريقية - تدخل فيه - أولاً: بتصورها الاعتقادي القائم على تأليه غير الله - معه أو من دونه - وتدخل فيه ثانياً: بتقديم الشعائر التعبدية لشتى الآلهة والمعبودات التي تعتقد بألوهيتها .. كذلك تدخل فيه بإقامة أنظمة وشرائع، المرجع فيها لغير الله وشريعته . سواء استمدت هذه الأنظمة والشرائع من المعابد والكهنة والسدنة والسحرة والشيوخ، أو استمدتها من هيئات مدنية “ علمانية “ تملك سلطة التشريع دون الرجوع إلى شريعة الله .. أي أن لها الحاكمية العليا باسم ( الشعب )  أو باسم ( الحزب )  أو باسم كائن من كان .. ذلك أن الحاكمية العليا لا تكون إلا لله سبحانه، ولا تزاول إلا بالطريقة التي بَلَّغها عنه رسله .
وتدخل فيه المجتمعات اليهودية والنصرانية في أرجاء الأرض جميعاً .. تدخل فيه هذه المجتمعات أولاً: بتصورها الاعتقادي المحرَّف، الذي لا يفرد الله - سبحانه - بالألوهية بل يجعل له شركاء في صورة من صور الشرك، سواء بالبنوة أو بالتثليث، أو بتصور الله سبحانه على غير حقيقته، وتصور علاقة خلقه به على غير حقيقتها:
{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } .. [ التوبة: 30 ]
{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ... [ المائدة: 63 ]
{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ... [ المائدة: 64 ]
وتدخل فيه كذلك بشعائرها التعبدية المنبثقة من التصورات الاعتقادية المنحرفة.. ثم تدخل فيه بأنظمتها وشرائعها، وهي كلها لا تقوم على العبودية لله وحده، بالإقرار له وحده بحق الحاكمية، بل تقيم هيئات من البشر، لها حق الحاكمية العليا التي لا تكون إلا لله سبحانه .. وقديماً وصمهم الله بالشرك لأنهم جعلوا هذا الحق للأحبار والرهبان، يشرعون لهم من عند أنفسهم فيقبلون منهم ما يشرعونه:
{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .. [ التوبة: 31 ]
وهم لم يكونوا يعتقدون في ألوهية الأحبار والرهبان . ولم يكونوا يتقدمون لهم بالشعائر التعبدية، إنما كانوا فقط يعترفون لهم بحق الحاكمية، فيقبلون منهم ما يشرعونه لهم، ففي عدي بن حاتم - رضي الله عنه – أنه قد دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقه - أي “ عدي “ صليب من فضة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية .. ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ )  .. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: “ بلى ! إنهم حرَّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم ()  .
وقد جعلوا ذلك لناس منهم-اليوم- ليسوا أحباراً ولا رهباناً .. وكلهم سواء ..
وأخيـراً يدخل فـي إطار المجتمـع الجاهلـي تلك المجتمعات التـي تزعم لنفسهـا أنها “ مسلمة !()  .
وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضاً، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها . فهي - وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله - تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها وقيمها، وموازينها، وعاداتها وتقاليدها .. وكل مقومات حياتها تقريباً ! .
والله سبحانه يقول عن الحاكمين:
{ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } .. [ المائدة: 44 ]
ويقول عن المحكومين:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَأَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ... } إلى أن يقول { ... فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } . [ النساء: 60 - 65 ]
كما إنه - سبحانه - قد وصف اليهود والنصارى من قبل بالشرك والكفر والحيدة عن عبادة الله وحده، واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دونه، لمجرد أن جعلوا للأحبار والرهبان ما يجعله الذين يقولون عن أنفسهم أنهم “ مسلمون “ لناس منهم ! واعتبر الله سبحانه ذلك من اليهود والنصارى شركاً كاتخاذهم عيسى ابن مريم رباً يؤلهونه ويعبدونه سواء . فهذه كتلك خروج من العبودية لله وحده، فهي خروج من دين الله، ومن شهادة أن لا إله إلا الله .
وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة “ علمانيته “ وعدم علاقته بالدين أصلاً، وبعضها يعلن أنه “ يحترم الدين “ ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلاً، ويقول: إنه ينكر “ الغيبية “ ويقيم نظامه على “ العلمية “ باعتبار أن العلمية تناقض الغيبية ! وهو زعم جاهل لا يقول به إلا الجهال  وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله ويشرع ما يشاء ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه: هذه شريعة الله ! .. وكلها سواء في أنها لا تقوم على العبودية لله وحده ..
وإذا تعين هذا، فإن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة:
إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره .
إن الإسلام لا ينظـر إلى العنوانات واللافتات والشارات التي تحملها هذه المجتمعات على اختلافهـا .. إنها كلها تلتقي في حقيقة واحدة .. وهي أن الحياة فيها لا تقـوم على العبودية الكاملة لله وحده . وهي مـن ثم تلتقي - مع سائر المجتمعات الأخرى - فـي صفة واحدة .. صفة “ الجاهلية ..
منهج الإسلام في مواجهة الواقع البشري كله:
إن تحديد هذه المنهجية يجيب إجابة حاسمة عن هذا السؤال:
- ما الأصل الذي ترجع إليه الحياة البشرية وتقوم عليه؟ أهو دين الله ومنهجه للحياة؟ أم هو الواقع البشري أيّاً كان؟
إن الإسلام يجيب على هذا السؤال إجابة حاسمة لا يتلعثم فيها ولا يتردد لحظة .. إن الأصل الذي يجب أن ترجع إليه الحياة البشرية بجملتها هو دين الله ومنهجه للحياة .. إن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله التي هي ركن الإسلام الأول، وإن العبودية لله وحده مع التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تتحقق إلا أن يعترف بهذا الأصل، ثم يتبع اتباعاً كاملاً بلا تلعثم ولا تردد:
{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [ الحشر: 7 ]
ثم إن الإسلام يسأل:
{ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ }
ويجيب:
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } .. { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً } ..
والذي يعلم - والذي يخلق ويرزق كذلك - هـو الذي يحكم .. ودينه الذي هو منهجه للحياة، هو الأصل الذي ترجع إليه الحياة .. أما واقع البشر ونظرياتهم ومذاهبهم فهي تفسد وتنحرف، وتقوم على علم البشر الذين لا يعلمون، والذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً !
ودين الله ليس غامضاً، ومنهجه للحياة ليس مائعاً والأصول المقررة للاجتهاد والاستنباط مقررة كذلك ومعروفة وليست غامضة ولا مائعة .. فليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه: هذا شرع الله، إلا أن تكون الحاكمية العليا لله معلنة، وأن يكون مصدر السلطات هو الله سبحانه لا ( الشعب )  ولا ( الحزب )  ولا أي من البشر، وأن يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله لمعرفة ما يريده الله ولا يكون هذا لكل من يريد أن يدعي سلطاناً باسم الله . كالذي عرفته أوروبا ذات يوم باسم “ الثيوقراطية “ أو “ الحكم المقدس “ فليس شيء من هذا في الإسلام . وما يملك أحد أن ينطق باسم الله إلا رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإنما هنالك نصوص معينة هي التي تحدد ما شرع الله..
فقه الواقع “ أو “ الدين للواقع “ كيف ومتى؟
إن كلمة “ الدين للواقع “ يساء فهمها، ويسا ء استخدامها كذلك . نعم إن هذا الدين للواقع . ولكن أي واقع !
.. إنه الواقع الذي ينشئه هذا الدين نفسه، وفق منهجه، منطبقاً على الفطرة البشرية في سوائها، ومحققاً للحاجات الإنسانية الحقيقية في شمولها . هذه الحاجات التي يقررها الذي خلق، والذي يعلم من خلق:
{ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك: 14 ]
والدين لا يواجه الواقع أيا كان ليقرَّه ويبحث له عن سند منه، وعن حكم شرعي يعلقه عليه كاللافتة المستعارة ! إنما يواجه الواقع ليزنه بميزانه، فيقر منه ما يقر، ويلغي منه ما يلغي، وينشئ واقعاً غيره إن كان لا يرتضيه، وواقعه الذي ينشئه هو الواقع . وهذا هو المعنى بأن الإسلام: “ دين للواقع “ .. أو ما يجب أن تعنيه في مفهومها الصحيح !
ولعله يثار هنا سؤال:
أليست مصلحة البشر هي التي يجب أن تصوغ واقعهم؟ ! .
ومرة أخرى نرجع إلى السؤال الذي يطرحه الإسلام ويجيب عليه:
1     { أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ }؟
2     { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } !
إن مصلحة البشر متضمنة في شرع الله، كما أَنزله الله، وكما بَلَّغه عنه رسول الله .. فإذا بدا للبشر ذات يوم أن مصلحتهم في مخالفة ما شرع الله لهم، فهم .. أولاً: “ واهمون “ فيما بدا لهم .
{ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى، أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى } ... [ النجم: 23-25 ]
وهم .. ثانياً: “ كافرون “ .. فما يدعي أحد أن المصلحة فيما يراه هو مخالفاً لما شرع الله، ثم يبقى لحظة واحدة على هذا الدين . ومن أهل هذا الدين ! .

شَريعَةٌ كَـوْنِيّة
الشريعة الإسلامية متناسقة مع نواميس الكون فكلاهما من عند الله:
إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان، وأودعه الله - سبحانه - قوانينه التي يتحرك بها، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها، كما تتناسق بها حركته الكلية سواء .
{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل: 40 ] .
{ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } .. [ الفرقان: 2 ] .
إن وراء هذا الوجود الكوني مشيئة تدبره، وقدراً يحركه، وناموساً ينسقه . هذا الناموس ينسق بين مفردات هذا الوجود كلها، وينظم حركاتها جميعاً، فلا تصطدم، ولا تختل، ولا تتوقف عن الحركة المنتظمة المستمرة - إلى ما شـاءَ الله - كما إن هذا الوجود خاضع مستسلم للمشيئة التي تدبره، وهو لهذا كله صالح لا يدركه العطب إلا أن يشاء الله:
{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } .. [ الأعراف: 54 ] .
*     *     *
والإنسان من هذا الوجود الكوني، والقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن ذلك الناموس الذي يحكم الوجود كله .. لقد خلقه الله - كما خلق هذا الوجود - وهو في تكوينه المادي من طين هذه الأرض، وما وهبه الله من خصائص زائدة على مادة الطين جعلت منه إنساناً، إنما رزقه الله إياه مقدراً تقديراً، وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الطبيعي الذي سنَّه الله له - رضى أم أبي - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه - فهما يلتقيان ولكنهما لا يملكان أن يعطيا جنين وجوده - وهو يُولَد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة . وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه، ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له . وهو يأكل ويشرب، وبالجملة يعيش .. وفق ناموس الله، عن غير إرادة منه ولا اختيار، شأنه في هذا شأن هذا الوجود الكوني وكل ما فيه وكل من فيه، في الخضوع المطلق لمشيئة الله وقدره وناموسه ...
والله الذي خلق هذا الوجود الكوني وخلق الإنسان، والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكوني .. هو - سبحانه - الذي سن للإنسان “ شريعة “ لتنظيم حياته الإرادية تنظيماً متناسقاً مع حياته الطبيعية . فالشريعة - على هذا الأساس - إن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان، وفطرة الوجود العام، وينسقها كلها جملةً واحدة .
و “ الشريعة “ التي سنَّها الله لتنظيم حياة البشر هي - من ثم - شريعة كونية . بمعنى أنها متصلة بناموس الكون العام، ومتناسقة معه .. ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ من ضرورة تحقيق التناسق بين حياة الإنسان، وحركة الكون الذي يعيش فيه و لتحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرة البشر المضمرة والقوانين التي تحكم حياتهم الظاهرة .
لا يستطيع البشر تشريع نظام دائم لهم، لماذا؟
ولما كان البشر لا يملكون أن يدركوا جميع السنن الكونية، ولا أن يحيطوا بأطراف الناموس العام - ولا حتى بهذا الذي يحكم فطرتهم ذاتها ويخضعهم له - رضوا أم أبوا - فإنهم - من ثم - لا يملكون أن يشرعوا لحياة البشر نظاماً يتحقق به التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون، ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة . إنما يملك هذا خالق الكون وخالق البشر، ومدبر أمره وأمرهم، وفق الناموس الواحد الذي اختاره وارتضاه .
من ثمرات التشريع الإلهي المتناسق مع الكون والخلق:
هذا التناسق يجعلهم يعيشون في سلام من أنفسهم .. فأما السلام مع الكون فينشأ من تطابق حركتهم مع حركة الكون، وتطابق اتجاههم مع اتجاهه .. وأما السلام مع أنفسهم فينشأ من توافق حركتهم مع دوافع فطرتهم الصحيحة، فلا تقوم المعركة بين المرء وفطرته، لأن شريعة الله تنسق بيـن الحركة الظاهرة والفطرة المضمرة، فـي يسر وهدوء .. وينشأ عن هذا التنسيق تنسيق آخر في ارتباط الناس ونشاطهم العام، لأنهم جميعاً يسلكون حينئذ وفق منهج موحد، هو طرف من الناموس الكوني العام .
كذلك يتحقق الخير للبشرية عن طريق إهتدائها وتعرفها في يسر إلى أسرار هذا الكون، والطاقات المكنونة فيه والكنوز المذخورة في أطوائه ـ واستخدام هذا كله وفق شريعة الله، لتحقيق الخير البشري العام، بلا تعارض ولا اصطدام .
ومقابل شريعة الله هو أهواء البشر:
{ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَـدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَـنْ فِيهِنَّ } ... [ المؤمنون: 71 ] .
ومن ثمَّ توحد النظرة الإسلامية بين الحق الذي يقوم عليه هذا الدين، والحق الذي تقوم عليه السموات والأرض . ويصلح عليه أمر الدنيا والآخرة .
{ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ، وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ، لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } ... [ الأنبياء: 10 - 20 ] .
وفطرة الإنسان تدرك هذا الحق في أعماقها، فطبيعة تكوينه وطبيعة هذا الكون كله من حوله، توحي إلى فطرته بأن هذا الوجود قائم على الحق، وأنه ثابت على الناموس، ولا يصطدم بعضه ببعض، ولا يسير وفق الهوى المتقلب والرغبة الجامحة !، ومن ثم يقع الشقاق - أول ما يقع - بين الإنسان وفطرته عندما يحيد عن الحق الكامن في أعماقها، تحت تأثير هواه، وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله، وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه !
ومثل هذا الشقاق يقع بين الأفراد والجماعات والأمم والأجيال، كما يقع بين البشر والكون من حولهم، فتنقلب قواه وذخائره وسائل تدمير وأسباب شقاء، بدلاً من أن تكون وسائل عمران وأسباب سعادة لبني الإنسان .
وإذن فإن الهدف الظاهر من قيام شريعة الله في الأرض ليس مجرد العمل للآخرة . فالدنيا والآخرة معاً مرحلتان متكاملتان، وشريعة الله هي التي تنسق بين المرحلتين فـي حياة هذا الإنسان
والتناسق مع الناموس الإلهي لا يؤجْل سعادة الناس إلى الآخرة، بل يجعلها واقعة ومتحققة في المرحلة الأولى كذلك، ثم تتم تمامها وتبلغ كمالها في الدار الآخرة .
*     *     *
التناسق بين الكون وبين شريعة خالقه في حوار إبراهيم -عليه السلام-مع النمرود:
وإلى ضرورة هذا التطابق والتناسق يشير الحوار الذي جرى بين إبراهيم - عليه السلام - أبي هذه الأمة المسلمة - وبين “ نمرود “ المتجبر المدعي بحق السلطان على العباد في الأرض، والذي لم يستطع - مع ذلك - أن يدعي بحق السلطان على الأفلاك والأجرام في الكون، وبهت أمام إبراهيم عليه السلام، وهو يقول له: إن الذي يملك السلطان في الكون هو وحده الذي ينبغي أن يكون له السلطان في حياة البشر، ولم يحر جواباً على هذا البرهان:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .. [ البقرة: 258 ] .
وصدق الله العظيم:
{ أَفَغَيْـرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } .. [ آل عمران: 83 ] .

الإِسْلامُ هُوَ الحَضَارَة
الإسلام لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات: مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي:
المجتمع الإسلامي “ هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام .. عقيدة وعبادة، وشريعة ونظاماً، وخلقاً وسلوكاً .. و “ المجتمع الجاهلي “ هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه .. ! وليس المجتمع الإسلامي هو الذي يبتدع لنفسه إسلاماً من عند نفسه - غير ما قرره الله سبحانه، وفصَّله رسوله صلى الله عليه وسلم، ويسميه مثلاً “ الإسلام المتطور !
المجتمع الإسلامي فقط هو المجتمع الحضاري:
المجتمع الإسلامي “ - بصفته تلك - هو وحده “ المجتمع المتحضر “ ، والمجتمعات الجاهلية - بكل صورها المتعددة - مجتمعات متخلفة ! ولا بد من إيضاح لهذه الحقيقة الكبيرة:
لقـد كنت قـد أعلنتُ مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان: “ نحو مجتمع إسلامي متحضر “ .. ثم عدت في الإعلان التالي عنه فحذفت كلمة “ متحضر “ مكتفياً بأن يكون عنوان البحث - كما هو موضوعه - “ نحو مجتمع إسلامي ..
لأن “ المجتمع المسلم “ هو “ المجتمع المتحضر “ . فكلمة “ المتحضر “ إذن لغو، لا يضيف شيئاً جديداً .. على العكس تنقل هذه الكلمة إلى حس القارئ تلك الظلال الأجنبية الغربية التي كانت تغبش تصوري، وتحرمني الرؤية الواضحة الأصيلة !
الحضارة من منظور إسلامي:
الاختلاف إذن هو على “ تعريف الحضارة “ .. ولا بد من إيضاح إذن لهذه الحقيقة !
حين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده - متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً وحقيقياً من العبودية للبشر .. وتكون هذه هي “ الحضارة الإنسانية “ لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان، ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع .. ولا حرية - في الحقيقة - ولا كرامة للإنسان - ممثلاً في كل فرد من أفراده - في مجتمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد يطيعون !
والمجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد، ويخرج فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . وبذلك يتحررون التحرر الحقيقي الكامل، الذي ترتكز إليه حضارة الإنسان، وتتمثل فيه كرامته كما قدرها الله له، وهو يعلن خلافته في الأرض عنه، ويعلن كذلك تكريمه في الملأ الأعلى ..
أواصر التجمع في المجتمع الإسلامي ما هي؟
آصرة التجمع الأساسية فـي المجتمع الإسلامي هي العقيدة والتصور والفكرة ومنهج الحياة، ومصدر هذا كله هو الإله الواحد، وليس صادرا من أرباب أرضية تتمثل فيها عبودية البشر للبشر، وعليه فإن آصرة التجمع في المجتمع الإسلامي ممثلة لأعلى ما في “ الإنسان “ من خصائص، وهي خصائص الروح والفكر، فأما حين تكون آصرة التجمع في مجتمع هي الجنس واللون والقوم والأرض ... وما إلى ذلك من الروابط، فظاهر أن الجنس واللون والقوم والأرض لا تمثل الخصائص العليا للإنسان .. فالإنسان يبقى إنساناً بعد الجنس واللون والقوم والأرض، ولكنه لا يبقى إنساناً بعد الروح والفكر ! ثم هو يملك - بمحض إرادته الحرة - أن يغير عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته، ولكنه لا يملك أن يغير لونه ولا جنسه، كما إنه لا يملك أن يحدد مولده في قوم ولا في أرض .. فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة واختيارهم الذاتي هو المجتمع المتحضر .. اما المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر خارج عن إرادتهم الإنسانية فهـو المجتمع المتخلف .. أو بالمصطلح الإسلامي .. هو “ المجتمع الجاهلي !
والأمر نفسه حين تكون “ المادة “ - في أية صورة - هي القيمة العليا .. سواء في صورة “ النظرية “ كما في التفسير الماركسي للتاريخ ! أو في صور “ الإنتاج المادي “ كما في أمريكا وأوروبا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي قيمة عليا تهدر في سبيلها القيم والخصائص والإنسانية .. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متخلفاً .. أو بالمصطلح الإسلامي مجتمعاً جاهلياً !
إن المجتمع المتحضر .. الإسلامي .. لا يحتقر المادة، فالإنتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض عن الله - ولكنه فقط لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص “ الإنسان “ ومقوماته ! .. وتهدر من أجلها حرية الفرد وكرامته . وتهدر فيها قاعدة “ الأُسرة “ ومقوماتها، وتهدر فيها أخلاق المجتمع وحرماته .. إلى آخر ما تهدره المجتمعات الجاهلية من القيم العليا والفضائل والحرمات لتحقق الوفرة في الإنتاج المادي !
القيم والأخلاق ومكانتها في المجتمع الإسلامي:
القيم والاخلاق الإنسانية()  هي السائدة في المجتمع الإسلامي، ولها المكانة العليا في هذا المجتمع، وهي ثابتة غير متبدلة أو متغييرة باختلاف البيئات، ولها ميزان ثابت فلا يوجد هناك قيم وأخلاق “ زراعية “ وأخرى “ صناعية “ ! ولا قيم وأخلاق “ رأسمالية “ وأخرى “ اشتراكية “ ، ولا قيم وأخلاق “ برجوازية “ وأخرى “ صعلوكية “ ! ولا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومستوى المعيشة وطبيعة المرحلة، إنما تكون هناك - من وراء ذلك كله - قيم وأخلاق “ إنسانية “ وقيم وأخلاق “ حيوانية “ - إذا صح هذا التعبير ! - أو بالمصطلح الإسلامي: قيم وأخلاق “ إسلامية “ وقيم وأخلاق “ جاهلية .
الأسرة هي قاعدة المجتمع الإسلامي:
حين تكون “ الأسرة “ هي قاعدة المجتمع . وتقوم هذه الأسرة على أساس “ التخصص “ بين الزوجين في العمل . وتكون رعاية الجيل الناشئ هي أهم وظائف الأسرة .. يكون هذا المجتمع متحضراً .. ذلك أن الأسرة على هذا النحو - في ظل المنهج الإسلامي - تكون هي البيئة التي تنشأ وتُنَمِّى فيها القيم والأخلاق “ الإنسانية “ التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، ممثلة في الجيل الناشئ، والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير وحدة الأسرة، فأما حين تكون العلاقات الجنسية ( الحرة كما يسمونها )  والنسل ( غير الشرعي )  هي قاعدة المجتمع .. حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال، لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي في الأُسرة وحين تتخلى المرأة عن وظيفتها الأساسية في رعاية الجيل الجديد وتصبح وظيفتها هي الزينة أو الغواية، وتُؤْثِر هي - أو يُؤْثِر لها المجتمع - أن تكون مضيفة في فندق أو سفينة أو طائرة ! .. حين تنفق طاقتها في “ الإنتاج المادي “ و “ صناعة الأدوات “ ولا تنفقها في “ صناعة الإنسانية “ ! لأن الإنتاج المادي يومئذ أغلى وأعز وأكرم من “ الإنتاج الإنساني “ ، عندئذ يكون هنا هو “ التخلف الحضاري “ بالقياس الإنساني .. أو تكون هي “ الجاهلية “ بالمصطلح الإسلامي!
وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفموم “ الأخلاقي “ ؛ بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز “ الإنساني “ عن الطابع “ الحيواني “ ! ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية .. إن المفهوم الأخلاقي يكاد ينحصر في المعاملات الاقتصادية - والسياسية أحياناً في حدود “ مصلحة الدولة “ - ففضيحة كريستين كيلر وبروفيمو الوزير الإنجليزي - مثلاً - لم تكن في عرف المجتمع الإنجليزي فضيحة بسبب جانبها الجنسي .. إنما كانت فضيحة لأن كريستين كيلر كانت صديقة كذلك للملحق البحري الروسي . ومن هنا يكون هناك خطر على أسرار الدولة في علاقة الوزير بهذه الفتاة ! وكذلك لأنه افتضح كذبه على البرلمان الإنجليزي !
العبودية الخالصة لله تحقق في الأرض العمارة والحضارة:
وأخيراً فإنه حين يقوم “ الإنسان “ بالخلافة عن “ الله “ في أرضه على وجهها الصحيح: بأن يخلص عبوديته لله ويخلص من العبودية لغيره، وأن يحقق منهج الله وحده ويرفض الاعتراف بشرعية منهج غيره، وأن يُحَكِّم شريعة الله وحدها في حياته كلها وينكر تحكيم شريعة سواها، وأن يعيش بالقيم والأخلاق التي قررها الله له ويسقط القيم والأخلاق المدعاة . ثم بأن يتعرف بعد ذلك كله إلى النواميس الكونية التي أودعها الله في هذا الكون المادي، ويستخدمها في ترقية الحياة، وفي استنباط خامات الأرض وأرزاقها وأقواتها التي أودعها الله إياها، أي حين ينهض بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات الفنية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله .. حين يصبح وهو يصنع هذا كله “ ربانياً “ يقوم بالخلافة عن الله على هذا النحو - عبادة لله . يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة، ويكون هذا المجتمع قـد بلغ قمة الحضارة .. فأما الإبداع المادي - وحده - فلا يسمى في الإسلام حضارة .. فقد يكون وتكون معه الجاهلية .. وقد ذكر الله من هذا الإبداع المادي في معرض وصف الجاهلية نماذج:
{ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } . [ الشعراء: 128 - 135 ] .
ولكن الإسلام - كما أسلفنا - لا يحتقر المادة، ولا يحتقرالإبداع المادي، إنما هو يجعل هذا اللون من التقدم - في ظل منهج الله - نعمة من نعم الله على عباده، يبشرهم به جزاء على طاعته:
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ... [ الأعراف: 96 ] .
الحركة في المجتمع الإسلامي مستمرة:
والحركة المستمرة التي يتولد عنها هذا المجتمع ابتداء حركة آتية من خارج النطاق الأرضي، إنها تتمثل في عقيدة آتية من الله للبشر، تنشئ لهم تصوراً خاصاً للوجود والحياة والتاريخ والقيم والغايات، وتحدد لهم منهجاً للعمل يترجم هذا التصور وهذا هو المميز الأول لطبيعة المجتمع الإسلامي وتركيبه .
وبهذا العنصر القدري تبدأ أولى خطوات الحركة في قيام المجتمع الإسلامي، ويبدأ معها عمل “ الإنسان “ الذي يؤمن العقيدة الآتية له من ذلك المصدر الغيبي، الجارية بقدر الله وحده . وحين يؤمن هذا الإنسان الواحد بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الإسلامي ( حكماً )  .. إن الإنسان الواحد لن يتلقى هذه العقيدة وينطوي على نفسه .. إنه سينطلق بها .. هذه طبيعتها .. طبيعة الحركة الحية .. إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب تعلم أنها ستتجاوزه حتماً ! .. إن الدفعة الحية التي وصلت بها هذه العقيدة إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدماً .
وحين يبلغ المؤمنون بهذه العقيدة ثلاثة نفر، فإن هذه العقيدة ذاتها تقول لهم: أنتم الآن مجتمع، مجتمع إسلامي مستقل، منفصل عن المجتمع الجاهلي الذي لا يدين لهذه العقيدة، ولا تسود فيه قيمها الأساسية - القيم التي أسلفنا الإشارة إليها - وهنا يكون المجتمع الإسلامي قد وُجِدَ ( فعلاً )  !
والثلاثة يصبحون عشرة، والعشرة يصبحون مائة، والمائة يصبحون ألفاً، والألف يصبحون إثني عشر ألفاً .. ويبرز ويتقرر وجود المجتمع الإسلامي !
وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع الوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره وكينونته، عن المجتمع الجاهلي - الذي أخذ منه أفراده - وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع، وأعطته وزنه ومكانه في هذا المجتمع - حسب الميزان والاعتبار الإسلامي - ويكون وزنه هذا متعرفاً له به من المجمتع دون أن يزكي نفسه أو يعلن عنه بل إن عقيدته وقيمه السائدة في نفسه وفي مجتمعه لتضغط عليه يومئذ ليوراي نفسه عن الأنظار المتطلعة إليه في البيئة !
ولكن “ الحركة “ التي هي طابع العقيدة الإسلامية، وطابع هذا المجتمع الذي انبثق منها، لا تدع أحداً يتوارى ! إن كل فرد من أفراد هذا المجتمع لا بد أن يتحرك ! الحركة في عقيدته، والحركة في دمه، والحركة في مجتمعه، وفي تكوين هذا المجتمع العضوي .. إن الجاهلية من حوله، وبقية من رواسبها في نفسه وفي نفوس من حوله، والمعركة مستمرة، والجهاد ماض إلى يوم القيامة .
على إيقاعات الحركة، وفي أثناء الحركة، يتحدد وضع كل فرد في هذا المجتمع، وتتحدد وظيفته.
تكوين المجتمع الإسلامي(وهو المجتمع الحضاري)  ممكن في كل الأزمان:
إن المجتمع الإسلامي - كما يبدو من تعرفينا المستقل للحضارة - ليس مجرد صورة تاريخية، يبحث عنها في ذكريات الماضي، إنما هو طلبة الحاضر وأمل المستقبل . إنه هدف يمكن أن تستشرفه البشرية كلها اليوم وغذاً، لترتفع به من وهدة الجاهلية التي تتردى فيها، سواء في هذه الجاهلية الأمم المتقدمة صناعياً واقتصادياً والأمم المتخلفة أيضاً .
إن تلك القيم التي أشرنا إليها إجمالاً هي قيم إنسانية، لم تبلغها الإنسانية إلا في فترة “ الحضارة الإسلامية “ ، وهذه القيم ليست “ مثالية خيالية “ إنما هي قيم واقعية عملية، يمكن تحقيقها بالجهد البشري - في ظل المفهومات الإسلامية الصحيحة -، يمكن تحقيقها في كل بيئة بغض النظر عن نوع الحياة السائدة فيها، وعن تقدمها الصناعي والاقتصادي والعلمي، إن الحضارة يمكن أن تقوم في كل مكان وفي كل بيئة  تقوم بهذه القيم . أما أشكالها المادية التي تتخذها فلا حد لها، لأنها في كل بيئة تستخدم المقدرات الموجودة بها فعلاً وتنميها .
المجتمع الإسلامي إذن ليس صورة تاريخية ثابتة، لكن وجوده وحضارته يرتكنان إلى قيم تاريخية ثابتة .. وحين نقول: “ تاريخية “ لا نعني إلا أن هذه القيم قد عرفت في تاريخ معين .. وإلا فهي ليست من صنع التاريخ، ولا علاقة لها بالزمن في طبيعتها .. إنها حقيقة جاءت إلى البشرية من مصدر رباني .. من وراء الواقع البشري .
والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالاً متنوعة في تركيبها المادي والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: ( العبودية لله وحده . والتجمع على آصرة العقيدة فيه . واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة . وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان لا حيوانيته .. وحرمة الأسرة . والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه .. وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه الخلافة )  ..
إن “ أشكال “ الحضارة الإسلامية التي تقوم على هذه الأسس الثابتة، تتأثر بدرجة التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي، لأنها تستخدم الموجود منها فعلاً في كل بيئة، فلا بد أن تختلف لتضمن المرونة الكافية لدخول كافة البيئات والمستويات في الإطار الإسلامي، والاختلاف هو بالشكل لا بمقومات الحضارة السالفة الذكر.
لقد كان الإسلام ينشئ الحضارة في أواسط أفريقية بين العراة .. لأنه بمجرد وجوده هناك تكتسي الأجسام العارية ويدخل الناس فـي حضارة اللباس التي يتضمنها التوجيه الإسلامي المباشر، ويبدأ الناس في الخروج كذلك من الخمول البليد إلى نشاط العمل الموجه لاستغلال كنوز الكون المادي، ويخرجون كذلك من طور القبيلة - أو العشيرة - إلى طور الأمة، وينتقلون من عبادة العباد إلى عبادة رب، هذه هي الحضارة الإسلامية
{ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً } ... [ البقرة: 138 ] .

التَصَوّر الإِسْلامِيُّ وَالثَقَافَة
علاقة الحاكمية في التصور الإسلامي بالثقافة:
إن “ شريعة الله “ تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضاً .
ويتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده .
ويتمثل في التشريعات القانونية، التي تنظم هذه الأوضاع . وهو ما يطلق عليه اسم “ الشريعة “ غالباً بمعناها الضيق الذي لا يمثل حقيقة مدلولها في التصور الإسلامي .
ثم .. يتمثل في “ المعرفة “ بكل جوانبها، وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة .
و الأمر الذي قد يكون غريباً - حتى على قراء مثل هذه البحوث الإسلامية ! - فهو الرجوع في شأن النشاط الفكري والفني إلى التصور الإسلامي والى مصدره الرباني .
وفي النشاط الفني يمكننا القول أن النشاط الفني كله، وهو تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته، وعن صورة الوجود والحياة في نفس إنسانية .. وهذه كلها يحكمها - بل ينشئها - في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة، وعلاقتها ببارئ الكون والنفس والحياة وكلها متضمنة في التصور الاسلامي، الذي ليس هو مجرد تصور فكري . إنما هو تصور اعتقادي حي موح مؤثر فعال دافع مسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني.
علاقة النشاط الفكري بالتصور الإسلامي، وما نأخذه من المسلم فقط وما ناخذه من المسلم وغير المسلم:
إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة، أو يختص بالعبادة، أو يختص بالخلق والسلوك، أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني و بحركة التاريخ الإنساني .. إلا من ذلك المصدر الرباني، ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه، ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة .
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة، كالكيمياء، والطبيعة، والأحياء، والفلك، والطب، والصناعة، والزراعة، وطرق الإدارة - من الناحية الفنية الإدارية البحتة - وطرق العمل الفنية، وطرق الحرب والقتال - من الجانب الفني- إلى آخر ما يشبه هذا النشاط .. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم .. وإن كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم، أن يسعى لتوفير هذه الكفايات في هذه الحقول كلها، باعتبارها فروض كفاية، يجب أن يتخصص فيها أفراد منه . وإلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفايات، ولكن إلى أن يتحقق هذا فإن للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم وغير المسلم، لأنها من الأمور الداخلة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ أنتم أعلم بأمر دنياكم “ () ، ومن ثم فلا خطر فيها من زيغ عقيدته، أو ارتداده إلى الجاهلية.
فأمـا ما يتعلق بتفسير النشاط الإنساني كله أفراداً أو مجتمعات، وهـو التعلق بالنظرة إلى “ نفس “ الإنسان وإلى “ حركة تاريخه “ ، وما يختص بتفسير نشأة هذا الكون، ونشأة الحياة، ونشأة هذا الإنسان ذاته - من ناحية ما وراء الطبيعة - ( وهو ما لا تتعلق به العلوم البحتة من كيمياء وطبيعة وفلك وطب .. إلخ )  فالشأن فيه، شأن الشرائع القانونية والمبادئ والأصول التي تنظم حياته ونشاطه، مرتبـط بالعقيدة ارتباطاً مباشراً، فلا يجوز للمسلم أن يتلقى فيه إلا عن مسلم، يثق في دينه وتقواه، ويعلم عنه أنه يتلقى في هذا كله عن الله .. والمهم أن يرتبط هذا في حس المسلم بعقيدته، وأن يعلم أن هذا مقتضى عبوديته لله وحده، أو مقتضى شهادته: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
إنه قد يَطَّلِع على كل آثار النشاط الجاهلي . ولكن لا لِيُكَوِّن منه تصوره ومعرفته في هذه الشؤون كلها، إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية ! وليعرف كيف يصحح ويقوِّم هذه الانحرافات البشرية، بردِّها إلى أصولها الصحيحة فـي مقومات التصور الإسلامي، وحقائق العقيدة الإسلامية .
إن اتجاهات “ الفلسفة “ بجملتها، واتجاهات “ تفسير التاريخ الإنساني “ بجملتها، واتجاهات “ علم النفس “ بجملتها - عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة لها - ومباحث “ الأخلاق “ بجملتها، واتجاهات دراسة “ الأديان المقارنة “ بجملتها، واتجاهات “ التفسيرات والمذاهب الاجتماعية “ بجملتها - فيما عدا المشاهدات والإحصائيات والمعلومات المباشرة، لا النتائج العامة المستخلصة منها ولا التوجيهات الكلية الناشئة عنها - .. إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي - أي غير الإسلامي - قديماً وحديثاً، متأثرة تأثراً مباشراً بتصورات اعتقادية جاهلية، وقائمة على هذه التصورات، ومعظمها - إن لم يكن كلها - يتضمن في أصوله المنهجية عداءً ظاهراً أو خفياً للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي على وجه خاص!
الثقافة تراث إنسان لا وطن ولا جنس له ولا دين، “ متى يكون ذلك؟
إن حكاية أن “ الثقافة تراث إنساني “ لا وطن له ولا جنس ولا دين .. هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية - دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية “ الميتافيزيقية “ ()  لنتائج هذه العلوم، ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعاً . ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصايد اليهود العالمية، التي يهمها تمييع الحواجز كلها - بما في ذلك، بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور - لكي ينفذ اليهود إلى جسم العالم كله، وهو مسترخ مخدر، يزاول اليهود فيه نشاطهم الشيطاني، وفي أوله نشاطهم الربوي، الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية كلها، تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود!
ولكن الإسلام يعتبر أن هناك - فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية - نوعين اثنين من الثقافة: الثقافة الإسلامية القائمة على قواعد التصور الإسلامي، والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى ترجع كلها إلى قاعدة واحدة .. قاعدة إقامة الفكر البشري إلهاً لا يرجع إلى الله في ميزانه . والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري والواقعي الإنساني، وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائماً .
المنهجية العلمية تلقتها أوروبا من المسلمين ثم انحرفت بها:
ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي، الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة، لم ينشأ ابتداء في أوروبا، وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق، مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته، إلى الكون وطبيعته الواقعية، ومدخراته وأقواته .. ثُم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج، واستمرت تنميه وترقيه، بينما رُكِدَ وترك نهائياً في العالم الإسلامي بسبب بُعْد هذا العالم تدريجياً عن الإسلام، بفعل عوامل بعضها كامن في تركيب المجتمع وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني … ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الاسلامية، وشردت به نهائياً بعيداً عن الله، في أثناء شرودها عن الكنيسة، التي كانت تستطيل على الناس - بغياً وعدواً - باسم الله !
وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته - شأنه شأن إنتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع - شيئاً آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي . ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلاً للتصور الإسلامي .
تجربة علمية شخصية مع أدبيات الجاهلية:
إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة . كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع فـي معظم حقول المعرفة الإنسانية .. ما هو من تخصصه وما هو مـن هواياته .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره . فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ًضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم - وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك - وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره . فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها … وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها كذلك !!! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي !!!
ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأياً لي أبديه .. إن الأمر أكبر من أن يفتى فيه بالرأي.. إنه أثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأيه، إنما هو قول الله – سبحانه - وقول نبيه صلى الله عليه وسلم .. نحكِّمه في هذا الشأن، ونرجع فيه إلى الله والرسول، كما يرجع الذين آمنوا إلى الله والرسول فيما يختلفون فيه .
خطورة تلقي التصورات والقيم من غير المسلمين الصادقين:
يقول الله - سبحانه - عن الهدف النهائي لليهود والنصارى فـي شأن المسلمين بصفة عامة:
{ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } … [ البقرة: 109 ] .
{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } ... [ البقرة: 120 ]
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر - رضي الله عنهم:
لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حلَّ له أن يتبعني .()
وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين على ذلك النحو القاطع الذي يقرره الله سبحانه، يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون عن نية طيبة في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية، أو التاريخ الاسلامي، أو التوجيه في نظام المجتمـع المسلم، أو فـي سياسته أو اقتصاده، أو يقصدون إلى خير، والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس - بعد تقرير الله سبحانه - إنما هم الغافلون !
كذلك يتحدد من قول الله سبحانه: { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } ... المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون، فليس وراء هدى الله إلا الضلال، وليس في غيره هدى، كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص: “ قُل: إن هدى الله هو الهدى “ … ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص، ولا إلى تأويله كذلك !
كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله، ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا، وينص على أن مثل هذا لا يعلم إلا ظناً، والمسلم منهي عن اتباع الظن، وأنه لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فهو لا يعلم علماً صحيحاً .
{ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } . [ النجم: 29 – 30 ]
{ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } .. [ الروم: 7 ]
والذي يغفل عن ذكر الله، ولا يريد إلا الحياة الدنيا - وهو شأن جميع “ العلماء ! “ اليوم – إلا من رحم الله- لا يعلم إلا هذا الظاهر، كما أنه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرآنية وتثني عليه، كقوله تعالى: “ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ “ كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليشهدوا بها في غير مواضعها؟ فهذا السؤال التقريري وارد في آية هذا نصها الكامل:
{ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } .. [ الزمر: 9 ]
فهذا القانت آناء الليل، ساجداً وقائماً، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه .. هو هذا الذي يعلم .. وهذا هو العلم .. الذي تشير إليه الآية، العلم الذي يهدي إلى الله وتقواه .. لا العلم الذي يفسد الفطر فتلحد في الله !
إن هناك ارتباطاً بين القاعدة الإيمانية وعلم الفلك، وعلم الأحياء، وعلم الطبيعة، وسائر العلوم المتعلقة بالنواميس الكونية، إنها كلها تؤدي إلى الله، حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله .. كما اتجه المنهج الأوروبي في النهضة العلمية - مع الأسف - بسبب تلك الملابسات النكدة التي قامت في التاريخ الأوروبي خاصة، بين المشتغلين بالعلم وبين الكنيسة الغاشمة ! ثم ترك آثاره العميقة في مناهج الفكر الأوروبي كلها، ، وترك تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة - لا لأصل التصور الكنسي وحده ولا للكنيسة وحدها - في كل ما أنتجه الفكر الأوروبي، في كل حقل من حقول المعرفة، سواء كانت فلسفة ميتافيزيقية، أو كانت بحوثاً علمية بحتة لا علاقة لها - في الظاهر - بالموضوع الديني، وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي في كل حقول المعرفة، يقوم ابتداء على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة، فإن تلك المناهج وهذا النتاج أشد عداءً للتصور الإسلامي خاصة، لأنه يتعمد هذا العداء بصفة خاصة، ويتحرى في حالات كثيرة - في خطة متعمدة - تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الاسلامية، ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميز المجتمع المسلم في كل مقوماته .


جِنْسِيّة المُسْلِم وَعَقِيدَتُه
مقدمات لابد منها:
جاء الإسلام ليقرر فيما يقرر أن هناك وشيجة واحدة تربط الناس في الله فإذا انبتَّت هذه الوشيجة فلا صلة ولا مودة:
{ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } ... [ المجادلة: 22 ]
وأن هناك حزباً واحداً لله لا يتعدد، وأحزاباً أخرى كلها للشيطان وللطاغوت:
{ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً } ... [ النساء: 76 ]
وأن هناك طريقاً واحداً يصل إلى الله وكل طريق آخر لا يؤدي إليه:
{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } ... [ الأنعام: 153 ]
وأن هناك نظاماً واحداً هو النظام الإسلامي وما عداه من النظم فهو جاهلية:
{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة: 50 ]
وأن هناك شريعة واحدة هي شريعة الله وما عداها فهو هوى:
{ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } ... [ الجاثية: 18 ]
وأن هناك حقاً واحداً لا يتعدد، وما عداه فهو الضلال:
{ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } .. [ يونس: 32 ]
وأن هناك داراً واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة الله، وتقام فيها حدوده، ويتولـى المسلمون فيها بعضهم بعضاً، وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها إما القتال، وإما المهادنة على عهد أمان، ولكنها ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين:
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ... } [ الأنفال: 72 – 75 ]
رابطة العقيدة أقوى من رابطة النسب والرحم والأرض:
فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله، فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضواً في “ الأمة المسلمة “ في “ دار الإسلام “ ، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله ...
ليست قرابة المسلم أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته، ما لم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق، فتتصل من ثم بالرحم:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ } ... [ النساء: 1 ]
ولا يمنع هذا من مصاحبة الوالدين بالمعروف مع اختلاف العقيدة ما لم يقفا في الصف المعادي للجبهة المسلمة، فعندئذ لا صلة ولا مصاحبة،
فإذا انعقدت آصرة العقيدة فالمؤمنون كلهم إخوة، ولو لم يجمعهم نسب ولا صهر: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } ..على سبيل القصر والتوكيد:
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } ... [ الأنفال: 72 ]
وهي ولاية تتجاوز الجيل الواحد إلى الأجيال المتعاقبة، وتربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، برباط الحب والمودة والولاء والتعاطف المكين:
{ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } [ الحشر: 9 -10 ]
نماذج إيمانية على تقديم أخوة الدين ورابطته على غيرها:
ويضرب الله الامثال للمسلمين بالرهط الكريم من الأنبياء الذين سبقوهم في موكب الإيمان الضارب في شعاب الزمان:
{ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ... [ هود: 45 - 47 ]
*ويعتزل إبراهيم أباه وأهله حين يرى منهم الإصرار على الضلال:
{ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً } ... [ مريم: 48 ]
*ويحكي الله عن إبراهيم وقومه ما فيه أسوة وقدوة:
{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِـنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } . [ الممتحنة: 4 ]
*والفتية أصحاب الكهف يعتزلون أهلهم وقومهم وأرضهم ليخلصوا لله بدينهم، ويفرُّوا إلى ربهم بعقيدتهم، حين عز عليهم أن يجدوا لها مكاناً في الوطن والأهل والعشيرة .
{ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِـنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً } ... [ الكهف: 16 ]
*وامرأة نوح وامرأة لوط يفرق بينهما وبين زوجيهما حين تفترق العقيدة:
{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِـنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ } .. [ التحريم: 10 ]
*وامرأة فرعون على الضفة الأخرى:
{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ... [ التحريم: 11 ]
وهكذا تتعدد الأمثال في جميع الوشائج والروابط .. وشيجة الابوة في قصة نوح، ووشيجة البنوة والوطن في قصة إبراهيم، ووشيجة الأهل والعشيرة والوطن جميعاً في قصة أصحاب الكهف، ورابطة الزوجية في قصص امرأتي نوح ولوط وامرأة فرعون ..
*ويأتي من بعدهم جيل الصحابة-رضوان الله عليهم- حيث تفرقت عشائرهم وأسرهم يوم اختلفت عقائدهم:
{ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ... [ المجادلة: 22 ]
وحين انبتَّت وشيجة القرابة بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وبين عمه أبي لهب، وابن عمه عمرو بن هشام ( أبو جهل )  وحين قاتل المهاجرون أهلهم وأقرباءهم وقتلوهم يوم بدر .. حينئذ اتصلت وشيجة العقيدة بين المهاجرين والأنصار، فإذا هم أهل وإخوة، واتصلت الوشيجة بين المسلمين العرب وإخوانهم: صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي . وتوارت عصبية القبيلة، وعصبية الجنس، وعصبية الأرض . وقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: “ دعوها فإنها منتنة ()  ..
وقال لهم: “ ليس منَّا من دعا إلى عصبية، وليس منَّا من قاتل على عصبية، وليس منَّا من مات على عصبية () ..
دار الإسلام التي ينتمي إليها المسلم، ودار الحرب التي يعاديها:
وعندما اصبحت رابطة العقيدة هي الرابطة الأهم أصبح وطن المسلم هو “ دار الإسلام “ الدار التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها، الدار التي يأوي إليها ويدافـع عنها، ويستشهد لحمايتها ومد رقعتها ولو لم يكن له فيها أهل أو عشيرة.. وهي “ دار الإسلام “ لكل من يدين بالإسلام عقيدة ويرتضي شريعته شريعة، وكذلك لكل من يرتضي شريعة الإسلام نظاماً - ولو لم يكن مسلماً - كأصحاب الديانات الكتابية الذين يعيشون في “ دار الإسلام “ .. والأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي “ دار الحرب “ بالقياس إلى المسلم، وإلى الذمي المعاهد كذلك .
وكذلك حارب محمد - صلى الله عليه وسلم - مكة وهي مسقط رأسه، وفيها عشيرته وأهله، وفيها داره ودور صحابته وأموالهم التي تركوها . فلم تصبح دار إسلام له ولأمته إلا حين دانت للإسلام وطبِّقت فيها شريعته .
وانتصار المسلم الذي يهفوا إليه ويشكر الله عليه ليس غلبة جيش . إنما هو كما قال الله عنه:
{ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } ... [ سورة النصر ]
إنه النصر تحت راية العقيدة دون سائر الرايات . والجهاد لنصرة دين الله وشريعته لا لأي هدف من الأهداف، والذياد عن “ دار الإسلام “ بشروطها تلك لا أية دار، والتجرد بعد هذا كله لله، لا لمغنم ولا لسمعة، ولا حمية لأرض أو قوم، أو ذود عن أهل أو ولد، إلا لحمايتهم من الفتنة عن دين الله:
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: “ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله () ...
وفي هذا وحده تكون الشهادة لا في أية حرب لأي هدف غير هذا الهدف الواحد .. لله وكل أرض تحارب المسلم في عقيدته، وتصدُّه عن دينه، وتعطل عمل شريعته، فهي “ دار حرب “ ولو كان فيها أهله وعشيرته وقومه وماله وتجارته .
من هم شعب الله المختار حقيقة؟
ولما ادعى اليهود أنهم شعب الله المختار بجنسهم وقومهم ردَّ الله عليهم هذه الدعوى، ورد ميزان القيم إلى الإيمان وحده على توالي الأجيال، وتغاير الأقوام والأجناس والأوطان:
{ وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } ... [ البقرة: 135 - 138 ]
فأما شعب الله المختار حقاً فهو الأمة المسلمة التي تستظل براية الله على اختلاف ما بينها من الأجناس والأقوام والألوان والأوطان:
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ... [ آل عمران: 110 ]
الجنسية فيها العقيدة، والوطن فيها هو دار الإسلام، والحاكم فيها هو الله، والدستور فيها هو القرآن .
ويجب على الدعاة أن يحموا أنفسهم من أن تتسرب إليهم صور الشرك الخفية: الشرك بالأرض، والشرك بالجنس، والشرك بالقوم، والشرك بالنسب، والشرك بالمنافع الصغيرة القريبة، تلك التي يجمعها الله سبحانه في آية واحدة فيضعها في كفة، ويضع الإيمان ومقتضياته في كفة أخرى، ويدع للناس الخيار:
{ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } ... [ التوبة: 24 ]

نَقْـــلةٌ بَعِيـــدَة
التصور الإسلامي يختلف جوهريا عن التصور الجاهلي:
إن الإسلام تصور مستقل للوجود والحياة، تصور كامل ذو خصائص متميزة، ومن ثَمَّ ينبثق منه منهج ذاتي مستقل للحياة كلها، بكل مقوماتها وارتباطاتها، ويقوم عليه نظام ذو خصائص معينة .
هذا التصور يخالف مخالفة أساسية سائر التصورات الجاهلية قديماً وحديثاً . وقد يلتقي مع هذه التصورات في جزئيات عرضية جانبية، ولكن الأصول التي تنبثق منها هذه الجزئيات مختلفة عن سائر ما عرفته البشرية من نظائرها .
ووظيفة الإسلام الأولى هي أن ينشئ حياة إنسانية توافق هذا التصور، وتمثله في صورة واقعية، وأن يقيم في الأرض نظاماً يتبع المنهج الرباني الذي اختاره الله، وهو يخرج هذه الأمة المسلمة لتمثله وتقوم عليه، وهو - سبحانه - يقول:
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ... [ آل عمران: 110 ]
ويقول في صفة هذه الأمة:
{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } ... [ الحج: 41 ]
الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده وعن المنهج الإلهي في الحياة، وعبودية الناس للناس: بتشريع بعض الناس للناس ما لم يأذن به الله، كائنة ما كانت الصورة التي يتم بها هذا التشريع و الإسلام وهو الإسلام، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام !
طبيعة الإسلام هذه هي التي يجب أن نقدم بها الإسلام للناس: الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء !
إما إسلام وإما جاهلية:
إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية . لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور .. فإما إسلام وإما جاهلية . وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلية، يقبله الإسلام ويرضاه، وأنه إما حكم الله وإما حكم الجاهلية، وإما شريعة الله، وإما الهوى .. والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة:
{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } .. [ المائدة: 49 ]
{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } .. [ الشورى: 15 ]
{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .. [ القصص: 50 ]
{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .. [ المائدة: 50 ]
لم يجيء الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة في تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم .. سواء منها ما عاصر مجيء الإسلام، أو ما تخوض البشرية فيه الآن، إنما جاء هذا كله إلغاءً، ويقيم الحياة البشرية على أسسه الخاصة . جاء لينشئ حياة تنبثق منه انبثاقاً، وترتبط بمحوره ارتباطاً . وقد تشابه جزئيات منه جزئيات في الحياة التي يعيشها الناس في الجاهلية . ولكنها ليست هي، وليست منها . إنما هي مجرد مصادفة هذا التشابه الظاهري الجانبي في الفروع . أما أصل الشجرة فهو مختلف تماماً . تلك شجرة تطلعها حكمة الله، وهذه شجرة تطلعها أهواء البشر:
{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْـرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً } .. [ الأعراف: 58 ]
وهذه الجاهلية خبثت قديماً وخبثت حديثاً .. يختلف خبثها في مظهره وشكله، ولكنه واحد في مغرسه وأصله .. إنه هوى البشر الجهال المغرضين، الذين لا يملكون التخلص من جهلهم وغرضهم، ومصلحة أفراد منهم أو طبقات أو أمم أو أجناس يغلبونها على العدل والحق والخير . حتى تجيء شريعة الله فتنسخ هذا كله، وتشرِّع للناس جميعاً تشريعاً لا يشوبه جهل البشر  ولا تميل به مصلحة فريق منهم .
وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به . فكذلك هو لا يقبل منهجاً مع منهجه .. هذه كتلك سواء بسواء . لأن هذه هي تلك على وجه اليقين .
لا بد أن نقدم الإسلام للناس بكل قوة ووضوح:
لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً، وسنكـون صرحاء معهم غاية الصراحة .. هـذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فهيا خبث، والله يريد أن يطيِّبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون، والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم .. والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها مـن قيمكم السائدة فـي الأرض جميعاً .. وإذا كنتم أنتم - لشقوتكم - لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية، لأن أعداءكم - أعداء هذا الدين - يتكتلون للحيلولة دون قيام هذه الحياة، ودون تجسد هذه الصورة، فنحن قد رأيناها - والحمد لله ممثلة في ضمائرنا من خلال قرآننا وشريعتنا وتاريخنا وتصورنا المبدع للمستقبل الذي لا نشك في مجيئه !
و هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة . سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم . أم في أي مكان خاطب الناس فيه .
نظر إليهم من عل، لأن هذه هي الحقيقة . وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته . وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقته ..
أسلوب دعوي مرفوض:
يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام .. مرة تحت عنوان: “ ديمقراطية الإسلام “ ! ومرة تحت عنوان “ اشتراكية الإسلام “ ! ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة !!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات !
كلا . إن الأمر مختلف جداً . والانتقال من هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض إلى الإسلام نقلة واسعة بعيدة، وصورة الحياة الإسلامية مغايرة تماماً لصور الحياة الجاهلية قديماً وحديثاً . وهذه الشقوة التي تعانيها البشرية لن يرفعها عنها تغييرات طفيفة في جزئيات النظم والأوضاع . ولن ينجي البشر منها إلا النقلة من مناهج الخلق إلى منهج الخالق، ومن نظم البشر إلى نظام رب البشر، لا بد أن نجهر أمام الناس بذلك.
وقد يكره الناس هذا في أول الأمر، وقد يجفلون منه ويشفقون، ولكنهم في النهاية سيقبلون على هذه الدعوة، كما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته.
قوة هذا الدين وسبب انتشاره و صموده في وجه الباطل:
كانت الدعوة النبوية في أول عهدها مجهولة مستنكرة من الجاهلية، وكانت محصورة في شعاب مكة، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله . وكانت تحف بها امبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها . ولكنها مع هـذا كله كانت قوية، كما هـي اليوم قوية، وكما هي غداً قوية .. إن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها، ومن ثَمَّ فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجاً ومن عناصر القوة في هذا الدين:
2     الحق البسيط الوضاح الذي يقوم عليه .
3     تناسقه مع الفطرة التي لا تملك أن تقاوم سلطانه طويلاً .
4     وفي قدرته على قيادة البشرية صعداً في طريق التقدم، في أية مرحلة كانت البشرية من التأخر أو التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والعقلي ..
5     كما أنها تكمن في صراحته هذه وهي تواجه الجاهلية بكل قواها المادية فلا تخرم حرفاً واحداً من أصولها، ولا تربت على شهوات الجاهلية، ولا تتدسس إليها تدسساً . إنما تصدع بالحق صدعاً مع إشعار الناس بأنها خير ورحمة وبركة ..
والله الذي خلق البشر يعلم طبيعة تكوينهم ومداخل قلوبهم ويعلم كيف تستجيب حين تصدع بالحق صدعاً . في صراحة وقوة . بلا تلعثم ولا وصوصة !
إن النفس البشرية فيها الاستعداد للانتقال الكامل من حياة إلى حياة . وذلك قد يكون أيسر عليها من التعديلات الجزئية في أحيان كثيرة .. والانتقال الكامل من نظام حياة إلى نظام آخر أعلى منه وأكمل وأنظف، انتقال له ما يبرره في منطق الننفس .. ولكن ما الذي يبرر الانتقال من نظام الجاهلية إلى نظام الإسلام، إذا كان النظام الإسلامي لا يزيد إلا تغييراً طفيفاً هنا، وتعديلاً طفيفاً هناك؟ إن البقاء على النظام المألوف أقرب إلـى المنطق . لأنه على الأقل نظام قائم، قابل للإصلاح والتعديل، فلا ضرورة لطرحه، والانتقال إلى نظام غير قائم ولا مطبق، مادام أنه شبيه به في معظم خصائصه !
لا يكون الدفاع عن الإسلام بتشبيهه ببعض الجاهليات:
كذلك نجد بعض الذين يتحدثون عن الإسلام يقدمونه للناس كأنه متهم يحاولون هم دفع التهمة عنه ! ومن بين ما يدفعون به أن الأنظمة الحاضرة تفعل كذا وكذا مما تعيب على الإسلام مثله، وأن الإسلام لم يصنع شيئاً - في هذه الأمور - إلا ما تصنعه “ الحضارات “ الحديثة بعد ألف وأربعمئة عام !وهان ذلك دفاعاً ! وساء ذلك دفاعاً!
إن الإسلام لا يتخذ المبررات له من النظم الجاهلية والتصرفات النكدة التي نبعث منها . وهذه “ الحضارات “ التي تبهر الكثيرين وتهزم أرواحهم ليست سوى نظم جاهلية في صميمها . وهي نظم معيبة مهلهلة هابطة حين تقاس إلى الإسلام .. ولا عبرة بأن حال أهلها بخير من حال السكان في ما يسمى الوطن الإسلامي أو “ العالم الإسلامي “ ! فهؤلاء صاروا إلى هذا البؤس بتركهم للإسلام لا لأنهم مسلمون .. وحجة الإسلام التي يدلى بها للناس: إنه خير منها بما لا يقاس، وإنه جاء ليغيّرها لا ليقرّها، وليرفع البشرية عن وهدتها لا ليبارك تمرغها في هذا الوحل الذي يبدو في ثوب “ الحضارة ..
فلا تبلغ بنا الهزيمة أن نتلمس للإسلام مشابهات في بعض الأنظمة القائمة، إننا نرفضها كلها لأنها منحطة ومتخلفة بالقياس إلى ما يريـد الإسلام أن يبلغ بالبشرية إليه .
هذا الذي يبدو سهلاً فـي ظاهره، ليس مغرياً فـي طبيعته، فضلاً على أنه ليس هو الحقيقة .. فالحقيقة أن الإسلام يبدل التصورات والمشاعر، كما يبدل النظم والأوضاع، كما يبدل الشرائع والقوانين تبديلاً أساسياً لا يمت بصلة إلى قاعدة الحياة الجاهلية، التي تحياها البشرية .. ويكفي أنه ينقلهم جملة وتفصيلاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ..
{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ..
ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجراً، ولا نريد علوّاً في الأرض ولا فساداً وأجرنا نحتسبه عند الله، نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نريد لهم الخير .. مهما آذونا .. لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الإسلام، وهذه هي دوافعه .. ومن ثَمَّ يجب أن يعلموا منا حقيقة الإسلام، وحقيقة التكاليف التي سيطلبها إليهم، في مقابل الخير العميق الذي يحمله لهم.
نحن مسلمون ولا نخجل من ذلك:
ليس في إسلامنا ما نخجل منه بل على الجاهلية أن تخجل من تناقضاتها وانحطاطها عن المنهج القويم.
بعض المسلمين في أمريكا كانوا يواجهون الهجمة على الإسلام بالدفاع والتبرير، وكنت على العكس أتخذ موقف المهاجم للجاهلية الغربية .. سواء في معتقداتها الدينية المهلهلة . أو في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المؤذية. ثم أبين ما في الإسلام من منطق وسمو وإنسانية وبشاشة ومن مواجهة الواقع في الوقت ذاته ومعالجته معالجة تقوم على قواعد الفطرة الإنسانية السليمة .
وكانت المتناقضات والانحرافات في الحضارة الغربية حقائق نواجههم بها، وهي حقائق كانت تخجل أصاحبها حين تعرض في ضوء الإسلام .. ولكن ناساً - يدّعون الإسلام - ينهزمون أمام ذلك النتن الذي تعيش فيه الجاهلية، حتى ليتلمسون للإسلام مشابهات في هذا الركاب المضطرب البائس في الغرب . وفي تلك الشناعة المادية البشعة في الشرق أيضاً !
لن نجامل الجاهلية ولن نجاريها:
إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية . ولن يتحقق هذا بمجاراة الجاهلية والسير معها خطوات في أول الطريق، كما قد يخيل إلى البعض منا .. إن هذا معناه إعلان الهزيمة منذ أول الطريق ..
ومهما كانت ضغوط الجاهية علينا قوية فلا بد أن نثبت أولاً، ولا بد أن نستعلي ثانياً،
ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننزوي عنها وننعزل .. كلا، إنما هي المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع، والصدع بالحق في مودة، والاستعلاء بالإيمان في تواضع . والامتلاء بعد هذا كله بالحقيقة الواقعة . وهي أننا نعيش في وسط جاهلية، وأننا أهدى طريقاً من هذه الجاهلية، وإنها نقلة بعيدة واسعة، هذه النقلة من الجاهلية إلى الإسلام، وإنها هوة فاصلة لا يقام فوقها معبر للالتقاء في منتصف الطريق.



اسْتِعْلاءُ الإِيمَان
الاستعلاء بالإيمان على ما سواه:
{ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ..  [ آل عمران: 6 ]
أول ما يتبادر إلى الذهن من هذا التوجيه أنه ينصب على حالة الجهاد الممثلة في القتال .. ولكن حقيقة هذا التوجيه ومداه أكبر وأبعد من هذه الحالة المفردة، بكل ملابساتها الكثيرة .
إنه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء .
إنه يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء كل شيء، الاستعلاء بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان .
الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان، الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية، ولا وضع مقبول عند الناس ولا سند له من الإيمان .
الاستعلاء .. مع ضعف القوة، وقلة العدد، وفقر المال، كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء .
نواجه التحديات بالاستعلاء الإيماني:
إن للمجتمع منطقه السائد وعرفه العام وضغطه الساحق ووزنه الثقيل .. على من ليس يحتمي منه بركن ركين، وعلى من يواجهه بلا سند متين .. . وللتصورات السائدة والأفكار الشائعة إيحاؤهما الذي يصعب التخلص منه بغير الاستقرار على حقيقة تصغر في ظلها تلك التصورات والأفكار، والاستمداد من مصدر أعلى من مصدرها وأكبر وأقوى .
والذي يقف في وجه المجتمع، ومنطقه السائد، وعرفه العام، وانحرافاته ونزواته .. يشعر بالغربة كما يشعر بالوهن، ما لم يكن يستند إلى سند أقوى من الناس، وأثبت من الأرض، وأكرم من الحياة .
والله لا يترك المؤمن وحيداً يواجه الضغط، وينوء به الثقل، ويهدّه الوهن والحزن، ومن ثم يجيء هذا التوجيه:
{ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .  [ آل عمران: 139 ]
يجيء هذا التوجيه . ليواجه الوهن كما يواجه الحزن . هما الشعوران المباشران اللذان يساوران النفس في هذا المقام .. يواجههما بالاستعلاء لا بمجرد الصبر والثبات، والاستعلاء الذي ينظر من عل إلى القوى الطاغية، والقيم السائدة، والتصورات الشائعة، والاعتبارات والأوضاع والتقاليد والعادات، والجماهير المتجمعة على الضلال .
المؤمن هو الأعلى، فبماذا يكون الأعلى؟
المؤمن هو الأعلى إدراكاً وتصوراً لحقيقة الوجود .. فالإيمان بالله الواحد في هذه الصورة التي جاء بها الإسلام هو أكمل صورة للمعرفة بالحقيقة الكبرى . وحين تقاس هذه الصورة إلى ذلك الركام من التصورات والعقائد والمذاهب قديماً وحديثاً، وما انتهت إليه العقائد الوثنية والكتابية المحرفة  تتجلى عظمة العقيدة الإسلامية كما لم تتجل قط . وما من شك ان الذين يعرفون هذه المعرفة هم الأعلون على كل من هناك.
وهو الأعلى تصوراً للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحداث والأشياء والأشخاص فعقيدة المؤمن التي تلقاها من دينه من شأنها أن تمنح المؤمن تصوراً للقيم أعلى وأضبط من تلك الموازين المختلفة في أيدي البشر، الذين لا يدركون إلا ما تحت أقدامهم . ولا يثبتون على ميزان واحد في الجيل الواحد .
وهو الأعلى ضميراً وشعوراً، وخلقاً وسلوكاً .. فإن عقيدته في الله ذي الأسماء الحسنى والصفات المثلى، هي بذاتها موحية بالرفعة والنظافة والطهارة والعفة والتقوى، والعمل الصالح والخلافة الراشدة . فضلاً على إيحاء العقيدة عن الجزاء في الآخرة . الجزاء الذي تهون أمامه متاعب الدنيا وآلامها جميعاً . ويطمئن إليه ضمير المؤمن، ولو خرج من الدنيا بغير نصيب .
وهو الأعلى شريعة ونظاماً.
نموذج مشرق من العلو الإيماني:
وهكذا كان المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء، والقوى المتنفجة، والاعتبارات التي كانت تتعبد الناس في الجاهلية .. والجاهلية ليست فترة من الزمان، إنما هي حالة من الحالات تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام، في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء ..
ها هو ربعي بن عامر-رضي الله عنه-يقف تلك الوقفة مع رستم وحاشيته قبل وقعة القادسية:
أرسل سعد بن أبي وقاص قبل القادسية ربعي بن عامر رسولاً إلى رستم، قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالحرير وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه، وقد جلس على سرير من ذهب . ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة . ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد . وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه . فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم: ائذنوا له . فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها . فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
مهما قوي الباطل فإن الاستعلاء واجب على المؤمن:
وقد تتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى . وينظر إلى غالبه من عل ما دام مؤمناً . ويستيقن أنها فترة وتمضي، وإن للإيمان كرة لا مفر منها . وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأساً . إن الناس كلهم يموتون أما هو فيستشهد . وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادرها إلى النار . وشتان شتان . وهو يسمع نداء ربه الكريم:
{ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ } … [ آل عمران: 196 - 198]
ويضج الباطل وينفش ريشه، وتحيط به الهالات المصطنعة التي تغشي على الأبصار والبصائر، فلا ترى ما وراء الهالات مـن قبح شائه دميم، وينظر المؤمن مـن عل إلى الباطل المنتفش، وإلى الجموع المخدوعة، فلا يهن ولا يحزن، ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه، ولا تضعف رغبته كذلك في هداية الضالين والمخدوعين .
وينظر المؤمن من عل إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين . وهو مفرد وحيد، فلا يهن ولا يحزن، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف، وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين .
ويقف المؤمن قابضاً على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد عن الدين، وعن الفضيلة، ويقف الآخرون هازئين بوقفته، ساخرين من تصوراته، فما يهن المؤمن وهو ينظر من عل إليهم، وهو يقول كما قال واحد من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان العريق الوضيء، في الطريق اللاحب الطويل .. نوح عليه السلام ..
{ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } ... [ هود: 38 ]
وهو يرى نهاية الموكب الوضيء، ونهاية القافلة البائسة في قوله تعالى:
{ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ، وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } ..؟  [ المطففين: 29 - 36 ]
منطق الكفر ومنطق الإيمان:
وقديماً قص القرآن الكريم قول الكافرين للمؤمنين:
{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } .. [ مريم: 73 ]
أي الفريقين؟ الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد-صلى الله عليه وسلم-؟ أم الفقراء الذين يلتفـون حوله؟ أي الفريقين عمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب؟ أم بلال وعمار؟ أفلو كان ما يدعو إليه محمد خيراً أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر، الذين لا سلطان لهم في قريش ولا خطر، وهم يجتمعون في بيت متواضع كدار الأرقم، ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة  والسلطان؟ !
إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه، إنه على الحق .. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
{ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } . [ آل عمران: 8 - 9 ]




هَذَا هُوَ الطَرِيْق
ثبات المؤمن ولؤم الطغاة في قصة أصحاب الأخدود:
{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ { [ البروج: 1 - 11 ]
إن القرآن الكريم قد خط في قصة أصحاب الأخدود - كما وردت في سورة البروج - خطوطاً عميقة في تصور طبيعة الدعوة إلى الله، ودور البشر فيها .
إنها قصة فئة آمنت بربها، واستعلنت حقيقة إيمانها . ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين بحق “ الإنسان “ في حرية الاعتقاد بالحق والإيمان بالله العزيز الحميد،
وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة، وانتصرت فيها العقيدة على الحياة، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تفتن عن دينها، وهي تحرق بالنار حتى تموت .
لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة، فلم يستذلها حب البقاء وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة، وارتفعت على ذواتها، وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخيِّرة الرفيقة الكريمة كانت هناك جبلات جاحدة شريرة مجرمة لئيمة كانوا يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون . وكلما ألقي فتى أو فتاة، صبية أو عجوز، طفل أو شيخ، مـن المؤمنين الخيرين الكرام في النار، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة .
كيف انتصرت الفئة المؤمنة في قصة أصحاب الأخدود:
في حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان . وإن هذا الإيمان الذي بلغ الذروة العالية، في نفوس الفئة الخيرة الكريمة الثابتة المستعلية .. لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان !
ولا تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث، كما لا تذكر النصوص القرآنية، أن الله قد أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة، كما أخذ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط . أو كما أخذ فرعون وجنوده أخذ عزيز مقتدر .
أفهكذا ينتهي الأمر، وتذهب الفئة المؤمنة مع آلامها الفاجعة في الأخدود؟ بينما تظفر الفئة الباغية  بالنجاة؟
حساب الأرض يثير في النفس التساؤلات، ولكن القرآن يعلِّم المؤمنين شيئاً آخر، ويبصرهم بطبيعة القيم التي يزنون بها، وبمجال المعركة التي يخوضونها .
إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام، ومن متاع وحرمان .. ليست هي القيمة الكبرى في الميزان .. وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة . والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة . فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة .
إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان . وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة .. وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على الخوف والألم، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة، وانتصرت على الفتنة انتصاراً مشرفا، ولم يتمكن الطغاة من السيطرة على أرواحهم.. وهذا هو الانتصار ..
إن الناس جميعاً يموتون، وتختلف الأسباب . ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار، ولا يتحررون هذا التحرر، إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت، ثم لهم المجد في الآخرة، وكذلك في الدنيا على مر الأجيال.
ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها، وليس هو الحياة الدنيا وحدها إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض في جيل من أجيالها  أو في أجيالها جميعا، . والملأ الأعلى يضم من الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم الأرض من الناس .. وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق !
وبعد ذلك كله هناك الآخرة . وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض، ولا ينفصل عنه، لا في الحقيقة الواقعة، ولا في حس المؤمن بهذه الحقيقة .
وفق التصور الإيماني هم قد انتصروا، ووفق التصورات الأخرى هم قد خسروا!
جزاء المؤمنين الصابرين الثابتين، وجزاء الكافرين الباغين:
ومن ثم وعد الله للمؤمنين جزاء على الإيمان والطاعة، والصبر على الابتلاء، والانتصار على فتن الحياة .. هو طمأنينة القلب:
{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْـرِ اللَّهِ تَطْمَئِـنُّ الْقُلُوبُ } [ الرعد: 28].
وهو الرضوان والود من الرحمن:
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً } [ مريم: 96 ] .
وهو الذكر في الملأ الأعلى:
قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . فإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إليّ ذرعاً اقتربت منه باعاً، وإن أتاني مشياً يمشي أتيته هرولة .()
وهو اشتغال الملأ الأعلى بأمر المؤمنين في الأرض:
{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } [ غافر: 7 ] .
وهو الحياة عند الله للشهداء:
{ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ }[ آل عمران: 169 - 171 ] .
كما كان وعده المتكرر بأخذ المكذبين والطغاة والمجرمين في الآخرة وإن كان أحياناً قد أخذ بعضهم في الدنيا .. ولكن التركيز كله على الآخرة في الجزء الأخير:
{ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } [ آل عمران: 196 - 197 ] .
{ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } .. [ إبراهيم: 42 - 43 ] .
وهكذا اتصلت حياة الناس بحياة الملأ الأعلى، واتصلت الدنيا بالآخرة، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر ولم تعد الحياة الدنيا هي خاتمة المطاف .
علينا العمل وفق أمر الله ومنهجه، والنتائج شأنه وحده-سبحانه وتعالى-وليست شأننا:
لقد شهد تاريخ الدعوة إلى الله نماذج منوعة من نهايات في الأرض مختلفة للدعوات ..
شهد مصارع قوم نوح، وقوم هود، وقوم شعيب، وقوم لوط، ونجاة الفئة المؤمنة القليلة العدد، مجرد النجاة . ولم يذكر القرآن للناجين دوراً بعد ذلك في الأرض والحياة . وهذه النماذج تقرر أن الله سبحانه وتعالى يريد أحياناً أن يعجِّل للمكذبين الطغاة بقسط من العذاب في الدنيا، أما الجزاء الأوفى فهو مرصود لهم هناك .
وشهد تاريخ الدعوة مصرع فرعون وجنوده، ونجاة موسى وقومهمع التمكين لهم في الأرض فترة كانوا فيها أصلح ما كانوا في تاريخهم، وهذا نموذج غير النماذج الأولى .
وشهد تاريخ الدعوة كذلك مصرع المشركين الذين استعصوا على الهدى والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وانتصار المؤمنين انتصاراً كاملاً، مع انتصار العقيدة في نفوسهم انتصاراً عجيباً . وتم للمرة الوحيدة في تاريخ البشرية أن أقيم منهج الله مهيمناً على الحياة في صورة لم تعرفها البشرية قط، من قبل ولا من بعد .
وما يزال يشهد نماذج تتراوح بين هذه النهايات التي حفظها على مدار القرون .
ولم يكن بدّ من النموذج الذي يمثله حادث الأخدود، إلى جانب النماذج الأخرى . القريب منها والبعيد ..
لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون، ولا يؤخذ فيه الكافرون ! ذلك ليستقر في حس المؤمنين - أصحاب دعوة الله - أنهم قد يدعون إلى نهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله . وأن ليس لهم من الأمر شيء، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله !
إن عليهم أن يؤدوا واجبهم، ثم يذهبوا، وواجبهم أن يختاروا الله، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية . ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم، كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء . وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان، أو إلى غيرها مما يعلمه هو ويراه .
إنهم أجراء عند الله . أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا، عملوا وقبضوا الأجـر المعلوم ! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير !
وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب، ورفعة في الشعور، وجمالاً في التصور، وانطلاقاً من الأوهاق والجواذب، وتحرراً من الخوف والقلق، في كل حال من الأحوال .
وهم يقبضون الدفعة الثانية ثناء في الملأ الأعلى وذكراً وكرامة، وهم بعد في هذه الأرض الصغيرة.
ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حساباً يسيراً ونعيماً كبيراً .
ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعاً . رضوان الله، وانهم مختارون ليكونوا أداة لقدره وستاراً لقدرته، يفعل بهم في الأرض ما يشاء .
تربية قرآنية مشابهة للجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم ():
وهكذا انتهت التربية القرآنية للفئة المختارة من المسلمين في الصدر الأول إلى هذا التطور، الذي أطلقهم من أمر ذواتهم وشخوصهم، وعملوا أجراء عند صاحب الأمر ورضوا خيرة الله على أي وضع وعلى أي حال .
وكانت التربية النبوية تتمشى مع التوجيهات القرآنية، وتوجه القلوب والأنظار إلى الجنة، وإلى الصبر على الدور المختار حتى يأذن الله بما يشاء في الدنيا والآخرة سواء .
كان - صلى الله عليه وسلم - يرى عماراً وأمه وأباه - رضي الله عنهم - يعذبون العذاب الشديد في مكة، فما يزيد على أن يقول: “ صبراً آل ياسر . موعدكم الجنة ..
وعن خبّاب بن الأرثّ - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ أو تدعو لنا؟ فقال: “ قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين . ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه . ما يبعده ذلك عن دينه . والله ليتممن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، فلا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون .. ()  .
وكل الآيات التي ذكر فيها النصر، وذكر فيها المغانم، وذكر فيها أخذ المشركين في الأرض بأيدي المؤمنين نزلت في المدينة .. بعد ذلك .. وبعد أن أصبحت هذه الأمور خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه . وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج واقعية في الحياة الإنسانية، تقرره في صورة عملية محددة تراها الأجيال .
وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله، في كل أرض وفي كل جيل . فهي كفيلة بأن تريهم معالم الطريق واضحة بلا غبش، وأن تثبِّت خطى الذين يريدون أن يقطعوا الطريق إلى نهايته، كيفما كانت هذه النهاية . ثم يكون قدر الله بدعوته وبهم ما يكون، فلا يتلفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالعرق والدماء، إلى نصر أو غلبة هذه الأرض، ولكن إذا كان الله يريد أن يصنع بهم شيئاً من هذا لدعوته ولدينه فسيتم ما يريده الله، لا جزاء على الآلام والتضحيات .. لا، فالأرض ليست دار جزاء .. وإنما تحقيقاً لقدر الله في أمر دعوته ومنهجه على أيدي ناس من عباده يختارهم ليمضي بهم من الأمر ما يشاء، وحسبهم هذا الاختيار الكريم، الذي تهون إلى جانبه وتصغر هذه الحياة بما فيها من سراء او ضراء.
الحرب مع الكفار حرب عقيدة “ عبرة مستفادة من قصة أصحاب الأخدود:
هنالك حقيقة أخرى يشير إليها أحد التعقيبات القرآنية على قصة الأخدود في قوله تعالى:
{ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }  [ البروج: 8 ] ...
إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئاً آخر على الإطلاق . وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }، إنها ليست معركة سياسية ولا معركة اقتصادية، ولا معركة عنصرية .. ولو كانت شيئاً من هذا لسهل وقفها، ولكنها إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام !
ولقد كان كبار المشركين يعرضون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المال والحكم والمتاع في مقابل شيء واحد، أن يدع معركة العقيدة وأن يدهن في هذا الأمر ! ولو أجابهم - حاشاه - إلى شيء مما أرادوا ما بقيت بينهم وبينه معركة على الإطلاق !
وقد يحاول الكفار أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة، راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية، كي يموِّهوا على المؤمنين حقيقة المعركة، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة . فمن واجب المؤمنين أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض مبيت . وأن الذي يغيِّر راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها، النصر في أية صورة من الصور .
ونحن نشهد نموذجاً من تمويه الراية في محاولة الصليبية العالمية اليوم أن تخدعنا عن حقيقة المعركة، وأن تزور التاريخ، فتزعم لنا أن الحروب الصليبية كانت ستاراً للاستعمار .. كلا .. إنما كان الاستعمار الذي جاء متأخراً هو الستار للروح الصليبية التي لم تعد قادرة على السفور كما كانت في القرون الوسطى ! والتي تحطمت على صخرة العقيدة بقيادة مسلمين من شتى العناصر، وفيهم صلاح الدين الكردي، وتوران شاه المملوكي، ، العناصر التي نسيت قوميتها وذكرت عقيدتها فانتصرت تحت راية العقيدة !..{ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }، وصدق الله العظيم، وكذب المموهون الخادعون !


0 comments:

welcome to my blog. please write some comment about this article ^_^