القول المبين فى شرح قاعدة من لم يٌكّفر الكافرين- المقدمة والتمهيد


                      المقدمة

             الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى, وبعد:
من المعلوم أن أول خلاف ونزاع حدث بين الأمة بعد موت النبي e هو الخلاف الذي نشأ بين أهل القبلة في مسألة حقيقة الإيمان , وتفرع عنها مسألة الكفر والتكفير , فمنذ أن خرجت الخوارج على الأمة وكفّروا أهل القبلة بمطلق الذنوب , واستحلوا دمائهم بذلك , ومنذ هذا الوقت كُثر الكلام حول الحديث عن الإيمان ومسائله , والكفر والتكفير وحقيقته , وكُثر النزاع في ذلك , وكُثرت الفرق بأقوالها المختلفة المتباينة , وبالتالي كُثرت المصنفات في مثل هذه المسائل , ورغم كثرة الخائضين في هذه المسائل قديماً وحديثاً , إلا أن كلام السلف ( أهل السنة والجماعة ) لا زال نبراساً يُضئ الطريق لمن أراد أن يسير على هدي ونور .
وهذا البحث الذي بين أيدينا ( القول المبين في شرح قاعدة من لم يُكفّر الكافرين ) , يتحدث عن مسألة من المسائل المهمة والخطيرة التي كُثر فيها الكلام بحق أو بباطل . هذه المسألة تتحدث عن تكفير من يستحق التكفير من خلال قاعدة ( من لم يُكفّر الكافرين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فهو كافر ) .
والناس ينقسمون حول هذه المسألة إلى عدة أصناف :
الأول: صنف أخذ بمنهج أهل الغلو فسارعوا إلى تكفير من يستحق التكفير ومن لا يستحق التكفير أيضا, فكفروا المسلمين بمطلق الذنوب والمعاصي, وبمطلق هذه القاعدة التي بين أيدينا دون ضوابط لها.
الثاني : وصنف آخر على النقيض تماماً من الصنف الأول , وهم أهل التفريط , الذين يحكمون لكل الناس بالإسلام ورفعوا حكم الكفر والتكفير من قاموس الإسلام حتى وإن كان هذا الكفر يصل إلى سب الله ورسله , أو تبديل وتغيير الشرع الحكيم , طالماً أن  الناس يقولون ( لا إله إلا الله ) .
الصنف الثالث: وهم أهل الوسط بين الذين يُكفّرون من يستحق التكفير من خلال هذه القاعدة , ولكن بفهمها فهماً صحيحاً , وبالضوابط اللازمة لذلك .
       وأصل هذا البحث مأخوذ من كتاب ( القول الكبير في قواعد الكفر والتكفير ) فهو جزء منه , أو مبحث من مباحثه , استخرجته منه للانتفاع به ولأهميته .
       وأسال الله تعالى أن ييسر إخراج الكتاب الأصل .

ترتيب البحث
1- التمهيد – وفيه الإشارة إلى حقيقة الإيمان عند بعض الفرق وبالتالي ما تفرع على ذلك من حقيقة الكفر والتكفير , مع الإشارة إلى تاريخ الانحراف في هذه الأمة وبدايته .
2- الباب الأول : وفيه الحديث عن أصل هذه القاعدة مع ضرب الأمثلة على ذلك من خلال النصوص الشرعية .
3- الباب الثاني : وفيه الحديث عن أقوال أهل العلم حول هذه القاعدة .
4- الباب الثالث : وفيه الحديث عن ضوابط هذه القاعدة .
5- خلاصة البحث .
                هذا وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل لوجهه خالصاً وأن ينفع به من قرأه أو اطلع عليه .

وأخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

                                                                              


                        تمهيد


من المعلوم أن التكفير من الأحكام الشرعية المأخوذة عن الله تعالى وعن رسوله e , فلا مجال للعقل فيها , وبالتالي لا نزيل حكماً من الأحكام التي وصف الله به بعض عباده , كما أنه ليس لأحد أن ينسب أو يصف أحداً بحكم لم يأت عن الله تعالى .
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله :
( وأما من أحدث قولاً في الإسلام وأراد الناس عليه فلم يوافقوه فكفرهم , فهذا من أعظم الضلال , إذ أن التكفير حكم شرعي لا يجوز رفعه عمن وسمه الله به , كما لا تجوز نسبته إلى  من برأه الله ـ   عز وجل ـ منه , ولذلك كان أهل العلم و السنة لا يكفرون من خالفهم و إن كان ذلك المخالف يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه و تزني بأهله لأن الكذب و الزنا حرام لحق الله تعالى و كذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله و رسوله ) . اهـ ( الرد على البكري – ص256 – 258 ) .
وقال – رحمه الله – في نفس المصدر :
( وأما أهل البدع فإنهم يجمعون بين الجهل والظلم , فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة و إجماع الصحابة و يكفرون من خالفهم في بدعتهم , كالخوارج المارقين الذين ابتدعوا ترك العمل بالسنة المخالفة في زعمهم للقرآن , وابتدعوا التكفير بالذنوب و كفروا من خالفهم حتى كفروا عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب وغيرهم ) .  اهـ
قال شيخ الإسلام "والتكفير والتفسيق هو إلى اللّه ورسوله، ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه اللّه ورسوله، وتحريمما حرمه اللّه ورسوله"اهـ ج5 ص545 مجموع الفتاوى
وقال رحمه الله " فإن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل فالكافر من جعله الله ورسوله كافرا والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقا كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمنا ومسلما والعدل من جعله الله ورسوله عدلا والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها والواجب من الصلاة والصيام والصدقة والحج ما أوجبه الله ورسوله والمستحقون لميراث الميت من جعلهم الله ورسوله وارثين والذي يقتل حدا أو قصاصا من جعله الله ورسوله مباح الدم بذلك والمستحق للفيء والخمس من جعله الله ورسوله مستحقا لذلك والمستحق للموالاة والمعاداة من جعله الله ورسوله مستحقا للموالاة والمعاداة والحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع  "اهـ منهاج السنة ج5 ص 92 ـ 93
وقال صاحب كتاب التكفير وضوابطه " ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا تبين ذلك، فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان".
وكما سبق فإنه لا مدخل للعقل في هذه المسألة الشرعية، وكذلك فإن الهوى والتشفي والانتقام بالتكفير مذموم - من باب أولى - لما فيه من اعتداء على حكم الله وحقه وافتئات على عباده، لذا فإن "أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكفر إلا من كفّره الله ورسوله"اهـ التكفير وضوابطه لمنقذ السقار ج1 ص9
فائدة مهمة : التكفير لا يكون إلا بالدليل الشرعى ، وكذلك بالمجمع عليه بين الأمة
أما من ناحية الدليل الشرعى :
يقول شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب "وأما المسائل الأخر وهي أنى أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله وأني أعرف من يأتيني بمعناها وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير الله كفر والذبيحة حرام. فهذه المسائل حق وأنا قائل بها. ولي عليها من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء الله تعالى"اهـ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب القسم الخامس الرسائل الشخصية ص12
وقال رحمه الله " لا يخفاك أنه ذكر لنا عنك كلام حسن ويذكر أيضاً كلام ما هو بزين، وننتظر قدومك إلينا ونبين لك عسى الله أن يهدينا وإياك الصراط المستقيم، وجاءنا عنك أنك تقول أبغيكم تكتبون لي الدليل من قول الله وقول رسوله، وكلام العلماء على كفر الذين ينصبون أنفسهم للنذور والنخي في الشدائد، ويرضون بذلك، وينكرون على من زعم أنه شرك، ويذكرون عنك أنك تقول أبغي أعرضه على العلماء في الخرج وفي الأحساء ولكم على أني ما أقبل منهم الطفايس والكلام الفاسد فإن بينوا حجة صحيحة من الله ورسوله أو عن العلماء تفسد كلامكم وإلا اتبعت أمر الله ورسوله، واعتقدت كفر الطاغوت ومن عبدهم وتبرأت منهم فإن كنت قلت هذا فهو كلام حسن وفقك الله لطاعته ولا يخفاك أني أعرض هذا من سنين على أهل الأحساء وغيرهم وأقول كل إنسان أجادله بمذهبه إن كان شافعياً فبكلام الشافعية، وإن كان مالكياً فبكلام المالكية، أو حنبلياً أو حنفياً فكذلك فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب لأنهم يعرفون أني على الحق وعم على الباطل وإنما يمنعهم من الانقياد التكبر والعناد على أهل نجد كما قال تعالى : (( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه )) وأنا أذكر لك الدليل على هذا الأمر وأوصيك بالبحث عنه والحرص عليه وأحذرك عن الهوى والتعصب بل أقصد وجه الله واطلب منه وتضرع إليه أن يهديك للحق وكن على حذر من أهل الإحساء أن يلبسوا عليك بأشياء لا ترد على المسألة أو يشبهوا عليك بكلام باطل كما قال تعالى : ((إن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)) وأنا أشهد الله وملائكته إن أتاني منهم حق لأقبلنه على الرأس والعين ولكن هيهات أن يقدر أحد أن يدفع حجج الله وبيناته."اهـ الرسائل الشخصية 87
ولما قيل للإمام محمد : إن ابن تيمية لا يكفر من أشرك بالله بعد بلوغ الحجة ، بيّن أن ذلك لا يصح عنه فقال :
"على أن الذي نعتقده وندين لله به ونرجو أن يثبتناً عليه أنه لو غلط هو أو أجلَّ منه في هذه المسألة وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة ، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين ، أو يزعم أنه على حق ، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله وبينه علماء الأمة ، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره ولو غلط من غلط .
فكيف والحمد لله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسألة ، وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون : ( فما بال القرون الأولى ) أو حجة قريش : ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ) .اهـ مفيد المستفيد ص9
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب " الأول : أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها في التكفير لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها وكذب الرسول والقرآن فهو كافر وإن لم يعبد الأوثان كاليهود ، فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول لا إله إلا الله ويصلي ويفعل كذاو كذا لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة أو العمى أو العرج ، فان كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم ، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر ، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع .
الوجه الثاني : أن معصية الرسول ? في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح بالفطر والعقول والعلوم الضرورية ، فلا يتصور أنك تقول لرجل ولو من أجهل الناس أو أبلدهم ، ما تقول فيمن عصى الرسو ل ? ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك ، مع أنه يدعي أنه مسلم متبع إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول بأن هذا كافر من غير نظر في الأدلة أو سؤال أحد من العلماء .
ولكن لغلبة الجهل وغربة العلم وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من الملحدين أشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين الذين يحبون الحق ، فلا تحقرها وأمعن النظر في الأدلة التفصيلية لعل الله أن يمن عليك بالإيمان الثابت ويجعلك من الأئمة الذين يهدون بأمره .
فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقيناً ما جرى من النبي ? وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام ، كما ذكر أنه ? بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله .
ومثل همه بغزو بني المصطلق لما قيل أنهم منعوا الزكاة . ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانع الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين .
ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا لما فهموا من قوله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ) حل الخمر لبعض الخواص .
ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان في تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه ، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم . ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه .
ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه ، مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت . ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين وهلم جرا ، ومن وقائع لا تعد ولا تحصى .
ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره كيف تقاتل بنى حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون , ويزكون . وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا وهلم جرا .
إلى زمن عبيد القداح الذين ملكوا لمغرب ومصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة ونصب القضاة والمفتين لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم ولم يتوقفوا فيه وهم في زمن ابن الجوزي , والموفق , وصنف ابن الجوزي كتاباً لما أخذت مصر منهم سماه ( النصر على مصر )اهـ مفيد المستفيد ص23 ـ 24
ومن فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب : أنه يقرن دائما الحكم بالدليل وهذه طرقته فى كتاب التوحيد وغيره من كتبه ورسائله
فقال فى :
الناقض السادس
(الاستهزاء بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قول الله تعالى : [التّوبَة: 65-66]{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ *} اهـ نواقض الايمان ص3
وقال فى الناقض
الخامس : من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به فقد كفر ؛ لقوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }
وكذلك قال فى الناقض السابع : السحر ، ومنه الصرف والعطف ، فمن فعله أو رضي به كفر ، والدليل قوله تعالى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } المرجع السابق ص4
أما التكفير بالمجمع عليه :
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب  رحمه الله: سألني الشريف عما نقاتل عليه، وعما نكفر الرجل به؟ فأخبرت بالصدق، وبينت له أيضاً الكذب الذي يبهتنا به الأعداء، فسألني أن أكتب له.
فأقول: أركان الإسلام خمسة: أولها: الشهادتان، ثم الأركان الأربعة. فالأربعة إذا أقرّ العبد بها وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها. والعلماء اختلفوا في التارك لها كسلاً من غير جحود، ولا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان وأيضاً نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر. فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع:
النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس وأقرّ أيضاً الاعتقادات في الحجر والشجر، الذي هو دين غالب الناس إنه الشرك بالله الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله. ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك.
فهذا كفر نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول. فلم يتبعه، وعرف دين الشرك فلم يتركه مع أنه لم يظهر ببغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا بزينة للناس.
النوع الثاني: من عرف ذلك كله، ولكنه تبين في سب دين الرسول مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر، ومن عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحّد الله وترك الشرك. فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (البقرة: من الآية89)وهو ممن قال الله فيه: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} الآية (التوبة: من الآية12).
النوع الثالث: من عرف التوحيد واتبعه وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضاً كافر، فيه قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} (محمد:9).
النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده مصرحون بعداوة التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعون في قتالهم ويعتذر بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد معهم بماله ونفسه. فهذا أيضاً كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزويج امرأة أبيه ولا يمكنه ترك ذلك إلا بمخالفتهم فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير. فهذا أيضاً كافر، وهو ممن قال الله فيه: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ} الآية (النساء: من الآية91).
وأما الكذب والبهتان: أنّا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنّا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه. فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدّ به ورثة أبي جهل من سدنة الأصنام وأئمّة الكفر: الناس عن دين الله ورسوله؛ وإنّا لا نكفر إلاّ من كفّره الله ورسوله، من المشركين عباد الأصنام كالذين يعبدون الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما أما الذين آمنوا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وجاهدوا في الله حق جهاده فهم إخواننا في الدين وإن لم يهاجروا إلينا. فكيف نكفر هؤلاء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
"اهـ القسم الثالث من مؤلفات الشيخ ،فتاوى ومسائل ص9 ـ 10

وله أيضاً رحمه الله  رسالة إلى أهل المغرب هذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئاً وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد. فقد قال الله تعالى : ((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين )) وقال تعالى: (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم )) وقال تعالى : (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)وقال تعالى : (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )) فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف فقال تعالى: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ؛ قليلاً ما تذكرن )) وقال تعالى : (( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )) والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن أمته تأخذ مأخذ القرن قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )) قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا : من هي يا رسول الله ؟
قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات وكذلك التقرب إليهم بالنذر وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله. وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً كما قال تعالى)) : فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار)) فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصاً لوجهه وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال : (( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار )) وقال تعالى : ((ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون )) فاخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى : (( قل لله الشفاعة جميعاً )).
فلا يشفع عنده أحد إلا كما قال تعالى : (( من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه )) وقال تعالى : (( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا )) وهو سبحانه لا يرض إلا التوحيد كما قال تعالى : (( ولا يشفعون إلا لمن ارتض ) ) وقال تعالى : (( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيها من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له )) فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى : (( وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً )) وقال : (( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين )) فإذا كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع إبتداء بل : (( يأتي فيخر ساجداً فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع ثم يحد له حداً فيدخلهم الجنة )) فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء ؟
وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم."اهـ الرسائل الشخصية ص111 ـ 113
قال ابن عبد البر رحمه الله : "ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة، وهم أهل الفقه والأثر على أن أحداً لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفَّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة"اهـ التمهيد ج7 ص21
وفى المقابل نجد العلماء حذروا من التقليد فى أصول الدين لأن ذلك يعنى ترك وإهمال الدليل أو السؤال عن الدليل
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رخمه الله :
" أن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم، كما قال تعالى: {وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مقتدون} وقال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءابآءنآ أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير}، فأتاهم بقوله: {قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة}، وقوله: {اتبعوا مآ انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون}." اهـ مسائل الجاهلية شرح الالوسى ص42
000000000000000000000والحاصل أن مسائل التوحيد ليست من المسائل التي هي من فن المطاوعة خاصة، بل البحث عنها أو تعلمها فرض لازم على العالم والجاهل والمحرم والمحل والذكر والأنثى، وأنا لا أقول لكم : أطيعوني ولكن الذي أقول لكم إذا عرفتم أن الله أنعم عليكم وتفضل عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم والعلماء بعده، فلا ينبغي لكم معاندة محمداً صلى الله عليه وسلم، وقولكم أننا نكفر المسلمين كيف تفعلون كذا كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين بل ما كفرنا إلا المشركين وكذلك أيضآ من أعظم الناس ضلال متصوفة في معكال وغيره مثل ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض، وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر برئ من الإسلام ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تقبل شهادته، والعجب كل العجب أن الذي يدعي المعرفة يزعم أنه لا يعرف كلام الله، ولا كلام رسوله بل يدعى أني أعرف كلام المتأخرين مثل ( الإقناع ) وغيره وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشائخ فهو كافر، سبحان الله، كيف يفعلون أشياء في كتابهم أن من فعلها كفر ومع هذا يقولون نحن أهل المعرفة وأهل الصواب وغيرنا صبيان جهال، والصبيان يقولون أظهروا لنا كتابكم ويأبون عن إظهاره أما في هذا ما يدل على جهالتهم وضلالتهم، وكذلك أيضاً من جهالة هؤلاء وضلالتهم إذا رأوا من يعلم الشيوخ وصبيانهم أو البدو شهادة أن لا إله إلا الله قالوا : قولوا لهم يتركون الحرام وهذا من عظيم جهلهم فإنهم لا يعرفون إلا ظلم الأموال ؛ وأما ظلم الشرك فلا يعرفون وقد قال الله تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه أو مدح الطواغيت أو جادل عنهم خرج من الإسلام ولو كان صائما قائماً من الظلم الذي لا يخرج من الإسلام بل0إما أن يؤدي إلى صاحبه بالقصاص وإما أن يغفره الله فبين الموضعين فرق عظيم.
وبالجملة رحمكم الله إذا عرفتم ما تقدم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد بين، الدين، كله فاعلموا أن هؤلاء الشياطين قد أحلوا كثيراً من الحرام في الربا والبيع وغير ذلك، وغير ذلك، وحرموا عليكم كثيراً من الحلال وضيقوا ما وسعه الله فإذا رأيتم الاختلاف فاسألوا عما أمر الله به ورسوله ولا تطيعوني ولا غيري، وسلام عليكم ورحمة الله."الرسائل الشخصية ص114 ـ 115







سبب الانحراف


السبب في الانحراف عن دين الله تعالى على وجه العموم وفي مسائل الاعتقاد على وجه الخصوص , هو الخروج والبعد عن المنهج السلفي الذي كان عليه أصحاب القرون المفضلة ومن سار على طريقهم , وهو اعتمادهم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله e وما كان عليه الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين .
فأهل البدع تركوا ذلك كله وسارعوا إلى الأخذ بالمعقولات والتأويلات الفاسدة ,مع الأخذ بالفلسفة الضالة , وكذلك إتباع أراء الرجال ونبذ نصوص الشرع , إلى غير ذلك .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله :
( وقد عدلت " المرجئة " في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة , وهذه طريقة أهل البدع ; ولهذا كان الإمام أحمد يقول : أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس . ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة ; ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ; فلا يعتمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم ; وإنما يعتمدون على العقل واللغة وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث ; وآثار السلف وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم وهذه طريقة الملاحدة أيضا ; إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة وأما كتب القرآن والحديث والآثار ; فلا يلتفتون إليها. هؤلاء ـ " أى :الملاحدة " يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد العلم وأولئك ـ " أى : أهل البدع " يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع. وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل ) . اهـ ( الإيمان ) ص113


بداية الانحراف


قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله :
( واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ( رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان وغيرهما ) .   
إلى أن قال : فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين ، وصار ملكاً ظهر النقص في الأمراء فلا بُدَّ أن يظهر أيضاً في أهل العلم والدين , فحدث في آخر خلافة علي رضي الله عنه بدعتا الخوارج والرافضة , إذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة وتوابع ذلك من الأعمال والأحكام الشرعية.
وكان ملك معاوية ملكاً ورحمة ، فلما ذهب وجاءت إمارة يزيد وجرت فيها فتنة قتل الحسين بالعراق ، وفتنة أهل الحرة بالمدينة وحصروا مكة لما قام عبد الله بن الزبير، ثم مات يزيد وتفرقت الأمة: ابن الزبير بالحجاز، وبنو الحكم بالشام ، ووثب المختاربن أبي عبيد وغيره بالعراق وذلك في أواخر عصر الصحابة وقد بقي فيهم مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله ، وأبي سعيد الخدري وغيرهم حدثت بدعة القدرية والمرجئة، فردها بقايا الصحابة...  مع ما كانوا يردونه هم وغيرهم من بدعة الخوارج والروافض .
وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون فيه أعمال العباد ، كما يتكلم فيها المرجئة فصار كلامهم في الطاعة والمعصية ، والمؤمن والفاسق ، ونحو ذلك من مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، ولم يتكلموا بعد في ربهم، ولا في صفاته إلا في أواخر عصر صغار التابعين من حين أواخر الدولة الأموية حين شرع القرن الثالث تابعوا التابعين ينقرض أكثرهم .
فإن الاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه. وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل. وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك. وجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم وخرج كثير من الأمور عن ولاية العرب وعُرِّبت بعض الكتب العجمية من كتب الفرس، والهند، والروم وظهر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم : " ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف ولا يستحلف" ( رواه أحمد والترمذي وابن ماجه – وهو صحيح ) .
ثم حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوّف , وحدث التجهم وهو نفي الصفات وبإزائه التمثيل00000  
إلى أن قال : فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها ومعرفة الدين وأصله، وأصل ما تولد فيه من أعظم العلوم نفعاً إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة ) . اهـ  نقلا من كتاب [ تقريب التدميرية ] للشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى )ص13 ـ 14  
إن الحديث عن مسائل الكفر والتكفير من اللوازم الأساسية المرتبطة بفهم قضية الإيمان , فما من فرقة من الفرق الإسلامية التي تبنت مذهباً معيناً في قضية الإيمان , إلا وهي تسير على نفس المنهج فيما يناقض هذا الإيمان , والسبب في ذلك واضح جداً , وهو أن كل فرقة من هذه الفرق وضعت لها أصولا , وحكموا بهذه الأصول على نصوص الكتاب والسنة .
ونشير في هذا الموضع إشارة إجمالية إلى أصول بعض الفرق في مسألة الإيمان , لكي نتعرف على كلامهم أيضاً في مسألة الكفر والتكفير .
الإيمان عند الخوارج والمعتزلة :
هو : قول وعمل واعتقاد , إلا أن العمل عندهم شرط صحة إذا تخلف كله أو بعضه ذهب الإيمان بالكلية .
وملخص مذهب الفريقين الآتي :
1- الإيمان عندهم : هو فعل جميع الطاعات الظاهرة والباطنة , وبالتالي فهو مجموع ثلاثة أشياء : التصديق بالجنان – والإقرار باللسان – والعمل بالأركان .
فالمؤمن عندهم هو الذي يأتي جميع المأمورات , ويترك جميع المحرمات , وهو نفس النهج الذي تسير عليه ( جماعة المسلمين ) المعروفة عند الناس ( بالتكفير والهجرة ) .
2- الإيمان والإسلام عندهم شئ واحد , إما أن يقوم كله أو يسقط كله فهو غير قابل للتبعض , فإذا ذهب بعضه ذهب كله ولم يبق منه شئ .
3- لا يجتمع في المسلم طاعة ومعصية , إذ لا يمكن عندهم أن يكون الشخص الواحد محموداً مستحقاً للثواب من وجه , وفي نفس الوقت مذموماً مستحقاً للعقاب من وجه آخر .
4- من ترك فريضة أو ارتكب محرماً فقد خرج من الإيمان بالكلية , وبالتالي يكون كافراً عند الخوارج , وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة ويسمى فاسقاً , وهو عندهم جميعاً مخلداً في النار في أحكام الآخرة .
5- التوبة عندهم من المعاصي تكون بتجديد الإيمان .
نخرج من ذلك : أن الإسلام والإيمان عند الخوارج والمعتزلة يكون : بإتيان جملة الفرائض , وترك جملة المحرمات , فمن ترك فريضة عندهم كفر , أو ارتكب حراماً كفر , وهذا يقابل الإيمان عندهم تماماً .
[ وللتوسع في هذه المسألة يراجع كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ]
الإيمان عند المرجئة :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله :  والمرجئة ثلاثة أصناف:
1- الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة ومنهم من لا يدخلها فى الايمان كجهم ومن اتبعه كالصالحى كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم لكن ذكرنا جمل أقوالهم 
2- والقول الثاني : من يقول: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية .
3- والثالث : تصديق القلب وقول اللسان وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم .
اهـ ( الإيمان – ص65 ) .
والأصل الذي ذهبت إليه المرجئة هو نفس الأصل الذي ذهبت إليه الخوارج والمعتزلة , من أن الإيمان واحد لا يتجزأ ولا يتبعض , إما أن يوجد كله , أو يذهب كله , فإذا ذهب بعضه ذهب كله فلم يبق منه شئ , وبالتالي كان الأصل الذي تفرعت عنه البدع في هذه القضية ( قضية الإيمان )

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله :
 ( وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله فهذا ممنوع وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء . ثم قالت " الخوارج والمعتزلة " : هو مجموع ما أمر الله به ورسوله وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث ; قالوا : فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار وقالت " المرجئة " على اختلاف فرقهم : لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر ونصوص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه ) . اهـ ( الإيمان – ص75 ) 

قال العلامة السفاريني في ( لوائح الأنوار ) :
 ( والحاصل : أن الإيمان عند المرجئة التصديق والقول – وعند الجهمية : مجرد التصديق – وعند الكرامية : مجرد قول اللسان ) . اهـ ج1 ص231

قال الشيخ صالح بن إبراهيم البُليهي – رحمه الله :
 ( قال معلقاً على كلام العلامة السفاريني : فعند المرجئة مجرد الإيمان بالله وبرسول الله , فمن فعل ذلك فهو كامل الإيمان , ولا يضر مع ذلك ترك العبادات , وجميع الطاعات , ولا يضر أيضاً ارتكاب الجرائم وفعل المحرمات , وهذا هو اعتقاد المرجئة الخالصة , وحتى عبادة غير الله , والسجود للأصنام , ليس ذلك كفر , بل هو علامة على الكفر , ومعصية من المعاصي , وهذا قول غلاة المرجئة , والمرجئة جهمية كما هو معروف ) . اهـ من كتاب ( عقيدة المسلمين – ج2 )ص325 .

وقال - رحمه الله - في نفس المصدر :
( فالمرجئة خالفوا نصوص الكتاب والسنة , والمرجئة كما تقدم نسبة إلى الإرجاء , أي : التأخير , لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان , فعندهم مرتكب الكبيرة ليس بفاسق , والناس في الإيمان سواء , فإيمان أفجر الناس وأفسقهم , كإيمان الأنبياء والمرسلين , فعلى قول المرجئة إبليس وقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون واليهود والنصارى , وكل كافر اعترف بوجود الله الجميع ليسوا بكفار .
فلازم قول المرجئة : الانسلاخ من شريعة الإسلام , وترك جميع الطاعات واستباحة جميع المنكرات .
وهذا القول : من أفسد الأقوال , وهذا المذهب من أخبث المذاهب , عياذاً بالله من فساد العقول , ومن زيغ القلوب , وعياذاً بالله من الحور بعد الكور , ومن الضلال بعد الهدى .
فلو كان مجرد الإيمان , أو التصديق كافي , لكان كثيراً من اليهود مؤمنين , قال تعالى : )  يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم ْ (.
اهـ ( عقيدة المسلمين – ج2ص326 )

خلاصة عقيدة المرجئة :
1- خروج أعمال الجوارح من مسمى الإيمان , وهذا عند فقهائهم .
2- لا يضر مع الإيمان معصية , كما لا ينفع مع الكفر طاعة .
3- الناس في أصل الإيمان سواء .
4- عدم تفاضل الناس في أعمال القلوب , وبالتالي : فالإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص , أما غلاة المرجئة من الجهمية : فالإيمان عندهم مجرد العلم , والجهل بالله هو الكفر , وكل من حكموا بكفره فلعدم علمه , وبالتالي كان من أصولهم الفاسدة : أن من تكلم بالكفر من سب الله وسب رسوله , والقول بالتثليث ,وغير ذلك , مؤمن كامل الإيمان إذا كان عالماً بالله بقلبه , بل جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك ولا فعل شيئاً من الطاعات فهو مؤمن كامل الإيمان طالماً أن العلم بالله في قلبه .

أضرار ومفاسد انتشار مذهب المرجئة :
1- الانحراف عن الاعتقاد الحق إلى الاعتقاد الباطل .
2- تمييع قضايا الدين عند المسلمين .
3- الحكم للمنافقين والكافرين بأنهم من المؤمنين .
4- ضياع قضية الولاء والبراء .
5- لا ردة ولا كفر إلا مع الاستحلال , إلى غير ذلك .
6- تسويغ فعل المعاصى والكبائر مع عدم تأثر الإيمان بذلك

الإيمان عند الأشاعرة : 
قال الشيخ سفر الحوالي في رسالته " منهج الأشاعرة في العقيدة " :
( الأشاعرة في الإيمان مرجئة جهمية أجمعت كتبهم قاطبة على أن الإيمان هو التصديق القلبي ، واختلفوا في النطق بالشهادتين أيكفي عنه تصديق القلب أم لابد منه ، قال صاحب الجوهرة:
         وفسر الإيمان بالتصديق                            والنطق فيه الخلف بالتحقيق
وقد رجح الشيخ حسن أيوب من المعاصرين أن المصدق بقلبه ناج عند الله وإن لم ينطق بهما ومال إليه البوطي ، فعلى كلامهم لا داعي لحرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لعمه أبو طالب قل : لا إله إلا الله لأنه لاشك في تصديقه له بقلبه ، وهو وَمَن شابهه على مذهبهم من أهل الجنة !!
هذا وقد أولوا كل آية أو حديث ورد في زيادة الإيمان ونقصانه أو وصف بعض شعبه بأنها إيمان أو من الإيمان.
ولهذا أطال شيخ الإسلام رحمه الله الرد عليهم بأسمائهم كالأشعري والباقلاني والجويني وشراح كتبهم وقرر أنهم على مذهب جهم بعينه ، وفي رسالتي ـ أي : ظاهرة الإرجاء ـ  فصل طويل عن هذه القضية فلا أطيل به هنا ) . اهـ  ص12

وبناء على أصلهم هذا , ترتب أنه لا يكفر إلا من أتى بناقض الإيمان الذي هو التكذيب المنافي للتصديق , أما أنواع الكفر الأخرى فهي عندهم علامة على الكفر , وليست هي كفر بذاتها .
فائدة : موافقة الإمام الأشعرى للمرجئة فى مسألة الإيمان حتى بعد رجوعه إلى مذهب أهل السنة
وللأمانة العلمية فقد ذكر العلماء للأشعرى ـ رحمه الله ـ قولان فى هذه المسألة : قول يوافق فيه السلف ، والقول الآخر يوافق فيه الجهمية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ " وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحى ومن اتبعهما فى الإيمان كالأشعرى في أشهر قوليه ، وأكثر أصحابه ، وطائفة من متأخرى أصحاب أبى حنيفة ، كالماتريدى ونحوه ، حيث جعلوه مجرد تصديق القلب ، يتساوى فيه العباد ، وأنه إما أن يُعدم وإما أن يوجد ، لا يتبعض ، وأنه يمكن وجود الإيمان تاما فى القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعا من غير إكراه ، وأن ما عُلم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي فى القلب وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي فى القلب ، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها ، فإن هذا القول فيه خطأ من وجوه 00000 " اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص582
وقال شيخ الإسلام أيضا " وأبو الحسن الأشعرى نصر قول جهم فى الإيمان ، مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يستثنى فى الإيمان 000000 إلى أن يقول رحمه الله ـ " بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم فى الإيمان الذى نصره أبو الحسن ، وهو عندهم شر من قول المرجئة " اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص195
وإنما ذكرت هذه الفائدة لأنه من المعلوم أن الإمام أبو الحسن الأشعرى رجع فى آخر أمره إلى مذهب أهل السنة ولكنه بقى فيه بقية مما كان عليه  فقد يغتر البعض بقوله فى الإيمان فيظن أنه من قول أهل السنة
يستفاد من ذلك : أن الكفر عند الأشاعرة هو التكذيب ، أو الجهل بالله تعالى ، وقد صرح بذلك الباقلانى من أئمة الأشاعرة فقال " باب القول فى معنى الكفر : إن قال قائل : وما الكفر عندكم  ؟
قيل له : ضد الإيمان ، وهو الجهل بالله ـ عز وجل ـ والتكذيب به ، الساتر لقلب الإنسان عن العلم به ، فهو كالمغطى للقلب عن معرفة الحق 00000 وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار ، ومنه قولهم : كفرني حقي ، أي : جحدني 00000 "اهـ تمهيد الأوائل ص392 ـ 394

رد الإمام ابن حزم على الأشعرية ومن قال بقولهم :
قال أبو محمد ونقول للجهمية والأشعرية في قولهم إن جحد الله تعالى وشتمه وجحد الرسول صلى الله عليه و سلم إذا كان كل ذلك باللسان فإنه ليس كفرا لكنه دليل على أن في القلب كفرا أخبرونا عن هذا الدليل الذي ذكرتم أتقطعون به فتثبتونه يقينا ولا تشكون في أن في قلبه جحدا للربوبية وللنبوة أم هو دليل يجوز ويدخله الشك ويمكن أن لا يكون في قلبه كفر ولا بد من أحدهما فإن قالوا أنه دليل لا نقطع به قطعا ولا نثبته يقينا قلنا لهم فما بالكم تحتجون بالظن الذي قال تعالى فيه إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من
الحق شيئا وأعجب من هذا أنكم إنما قلتم إن إعلان الكفر إنما قلنا أنه دليل على أن في القلب كفرا لأن الله تعالى سماهم كفارا فلا يمكننا رد شهادة الله تعالى فعاد هذا البلاء عليكم لأنكم قطعتم أنها شهادة الله عز و جل ثم لم تصدقوا شهادته ولا قطعتم بها بل شككتم فيها وهذا تكذيب من لاخفاء به وأما نحن فمعاذ الله من أن نقول أو نعتقد أن الله تعالى شهد بهذا قط بل من ادعى أن الله شهد بأن من أعلن الكفر فأنه جاحد بقلبه كذب على الله عز و جل وافترى عليه بل هذه شهادة الشيطان التي أضل بها أولياءه وما شهد الله تعالى إلا بضد هذا وبأنهم يعرفون الحق ويكتمونه ويعرفون أن الله تعالى حق وإن محمدا رسول الله صلى الله عليه و سلم حقا ويظهرون بألسنتهم خلاف ذلك وما سماهم الله عز و جل قط كفارا إلا بما ظهر منهم بألسنتهم وأفعالهم كما فعل بإبليس وأهل الكتاب وغيرهم وإن قالوا بل يثبت بهذا الدليل ونقطع به ونوقن أن كل من أعلن بما يوجب إطلاق اسم الكفر عليه في الشريعة فإنه جاحد بقلبه قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق هذا باطل من وجوه :
أولها: أنه دعوى بلا برهان ،
وثانيها: أنه علم غيب لا يعلمه إلا الله عز و جل والذي يضمره وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لم أبعث لأشق عن قلوب الناس فمدعى هذا مدعي علم غيب ومدعي علم الغيب كاذب








وثالثها: إن القرآن والسنن كما ذكرنا قد جاءت النصوص فيهما بخلاف هذا كما تلونا قبل
ورابعها: إن كان الأمر كما تقولون فمن أين اقتصرتم بالإيمان على عقد القلب فقط ولم تراعوا إقرار اللسان وكلاهما عندكم مرتبط بالآخر لا يمكن انفرادهما وهذا يبطل قولكم إنه إذا اعتقد الإيمان بقلبه لم يكن كافرا بإعلانه الكفر فجوزتم أن يكون يعلن الكفر من يبطن الإيمان فظهر تناقض مذهبهم وعظيم فساده
وخامسها: أنه كان إعلان الكفر باللسان دليلا على الجحد بالقلب والكفر به ولا بد فإن إعلان الإيمان باللسان يجب أيضا أن يكون دليلا قاطعا باتا ولا بد على أن في القلب إيمانا وتصديقا لا شك فيه لأن الله تعالى سمي هؤلاء مؤمنين كما سمى أؤلئك كفارا ولا فرق بين الشهادتين فإن قالوا إن الله تعالى قد أخبر عن المنافقين المعلنين بالإيمان المبطنين للكفر والجحد قيل لهم وكذلك أعلمنا الله تعالى وأخبرنا أن إبليس وأهل الكتاب والكفار بالنبوة أنهم يعلنون الكفر ويبطنون التصديق ويؤمنون بأن الله تعالى حق وإن رسوله حق يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ولا فرق وكل ما موهتم به من الباطل والكذب في هؤلاء أمكن للمرامية مثله سواء بسواء في المنافقين وقالوا لم يكفروا قط بإبطانهم الكفر لكن لما سماهم الله بأنهم آمنوا ثم كفروا علمنا أنهم نطقوا بعد ذلك بالكفر والجحد بشهادة الله تعالى بذلك كما ادعيتم أنتم شهادته تعالى على ما في نفوس الكفار ولا فرق
 قال أبو محمد وكلتا الشهادتين من هاتين الطائفتين كذب على الله عز و جل تعالى وما شهد الله عز و جل قط على إبليس وأولى الكتاب بالكفر إلا بما أعلنوه من الاستخفاف بالنبوة وبآدم وبالنبي صلى الله عليه و سلم فقط ولا شهد تعالى قط على المنافقين بالكفر إلا بما بطنوه من الكفر فقط وأما هذا فتحريف للكلم عن مواضعه وأفك مفترى ونعوذ بالله من الخذلان " اهـ الفصل لابن حزم ج4ص155
وقال أيضا "
"وأما الأشعرية فقالوا إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم وإعلان التكذيب بها باللسان بلا تقية ولا حكاية والإقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفرا ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا لكنه دليل على أن في قلبه كفر فقلنا لهم وتقطعون بصحة ما دل عليه هذا الدليل فقالوا لا وقالت الأشعرية أن إبليس قد كفر ثم أعلن بعصيان الله تعالى في السجود لآدم عليه السلام فإن إبليس من حينئذ لم يعرف أن الله تعالى حقا ولا أنه خلقه من نار ولا أنه خلق آدم من تراب وطين ولا عرف أن الله أمره بالسجود لآدم بعدها قط ولا عرف بعد هذا قط أن الله كرم آدم ومن قولهم بأجمعهم أن إبليس لم يسأل الله قط أن ينظره إلى يوم البعث فقلنا لهم ويلكم إن هذا تكذيب لله عز و جل ولرسوله صلى الله عليه و سلم ورد للقرآن قالوا لنا أن إبليس إنما قال كل ذلك هازئا مستهزئا بلا معرفة ولا إعتقاد كان هذا أشنع كفروا برده بعد كفر الغالية من الرافضة وقالوا أن إبليس لم يكفر بمعصيته الله في ترك السجود لآدم ولا بقوله عن آدم أنا خير منه وإنما كفر بجحد الله تعالى كان في قلبه
 قال أبو محمد هذا خلاف للقرآن وتكهن لا يعرف صحته إلا من حدثه به إبليس عن نفسه على أن الشيخ غير ثقة فيما يحدث به وقالت الأشعرية أيضا أن فرعون لم يعرف قط أن موسى إنما جاء بتلك الآيات من عند الله حقا وأن اليهود والنصارى الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه و سلم لم يعرفوا قط أن محمدا رسول الله صلى الله عليه و سلم حقا ولا عرفوا أنه مكتوب في التوراة والإنجيل وأن من عرف ذلك منهم وكتمه وتمادى على إعلان الكفر ومحاربة النبي صلى الله عليه و سلم بخيبر ومن بني قريظة وغيرهم فإنهم كانوا مؤمنين عند الله عز و جل أولياء لله من أهل الجنة فقلنا لهم ويلكم هذا تكذيب لله عز و جل إذ يقول يجحدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يعرفونه كما يعرفون أبناءهم و فإنهم لا يكذبونك فقالوا لنا معنى أنهم وجدوا خطأ مكتوبا عندهم لم يفهموا معناه ولا دروا ما هو ونعم عرفوا صورته فقط ودرو أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب كما يعرف الإنسان جاره فقط فكان هذا كفرا باردا أو تحريفا لكلام الله تعالى عن مواضعه ومكابره سمجة وحماقة ودفعا للضرورة وقد تقصينا الرد على أهل هذه المقالة الملعونة في كتاب لنا رسمه كتاب اليقين في النقض على الملحدين المحتجين عن إبليس اللعين وسائر الكافرين تقصيا فيه كلام رجل من كبارهم من أهل القيروان اسمه عطاف بن دوتاس في كتاب ألفه في نصر هذه المقالة وكان لشيخهم الأشعري في إعجاز القرآن قولان أحدهما كما يقول المسلمون أنه معجز النظم والآخر إنما هو المعجز الذي لم يفارق الله عز و جل قط والذي لم يزل غير مخلوق ولا نزل إلينا ولا سمعناه قط ولا سمعه جبريل ولا محمد عليهما السلام قط وأما الذي يقرأ في المصاحف ونسمعه فليس معجزا بل مقدور على مثله وهذا كفر صحيح وخلاف لله تعالى ولجميع أهل الإسلام "الفصل ـ لابن حزم ج4 ص156
الإيمان عند الجهمية :
قال أبو الحسن الأشعرى فى المقالات :
"اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو وهم اثنتا عشرة فرقة :
 فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحدة وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح "اهـ ج1 ص132
ومن أقوال جهم الشنيعة :ما ذكره الشهرستانى فى الملل والنحل :
قال " ومنها قوله : من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد فهو مؤمن قال : ولا يتفاضل أهله فيه فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل .
وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه .
ونسبته إلى التعطيل المحض " اهـ ج1 ص35
وقال شيخ الاسلام "  000وأما جهم فكان يقول :  إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة"اهـ ج13 ص48
وقال الإمام ابن القيم " وعلى هذا فإنما لم يحكم لهؤلاء اليهود الذين شهدوا له بالرسالة بحكم الإسلام لان مجرد الاقرار والاخبار بصحة رسالته لا يوجب الاسلام إلا أن يلزم طاعته ومتابعته وإلا فلو قال أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وائمة السنة أن الإيمان لا يكفي في قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسوله وانقياده لدينه والتزامه طاعته ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره وفيما تقدم كفاية في إبطال هذه المقالة ومن قال أن الإيمان هو مجرد اعتقاد صدق الرسول فيما جاء به وإن لم يلتزم متابعته وعاداه وأبغضه وقاتله لزمه أن يكون هؤلاء كلهم مؤمنين وهذا إلزام لا محيد عنه ولهذا اضطرب هؤلاء في الجواب عن ذلك لما ورد عليهم وأجابوا بما يستحي العاقل من قوله كقول بعضهم إن إبليس كان مستهزئا ولم يكن يقر بوجود الله ولا بأن الله ربه وخالقه ولم يكن يعرف ذلك وكذلك فرعون وقومه لم يكونوا يعرفون صحة نبوة موسى ولا يعتقدون وجود الصانع وهذه فضائح نعوذ بالله من الوقوع في أمثالها ونصرة المقالات وتقليد أربابها تحمل على أكثر من هذا ونعوذ بالله من الخذلان ، قالوا وقد بين القرآن أن الكفر أقسام:
أحدها: كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الأسلاف وهو كفر أكثر الأتباع والعوام
الثاني : كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق ككفر من تقدم ذكره وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار أو رياسة سلطانية أو من له مأكل وأموال في قومه فيخاف هذا على رياسته وهذا على ماله ومأكله فيؤثر الكفر على الإيمان عمدا
الثالث : كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول ولا يحبه ولا يبغضه ولا يواليه ولا يعاديه بل هو معرض عن متابعته ومعاداته وهذان القسمان أكثر المتكلمين ينكرونهما ولا يثبتون من الكفر إلا الأول ويجعلون الثاني والثالث كفرا لدلالاته على الأول لا لأنه في ذاته كفر فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل ومن تأمل القرآن والسنة وسير الأنبياء في أممهم ودعوتهم لهم وما جرى لهم معهم جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه وعلم أن عامة كفر الأمم عن تيقن وعلم ومعرفة بصدق أنبيائهم وصحة دعواهم وما جاؤا به وهذا القرآن مملوء من الإخبار عن المشركين عباد الأصنام أنهم كانوا يقرون بالله وأنه هو وحده ربهم وخالقهم وأن الأرض وما فيها له وحده وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم وأنه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه وأنه هو الذي سخر الشمس والقمر وأنزل المطر وأخرج النبات والقرآن مناد عليهم بذلك محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم اليه رسله 0000000 " اهـ مفتاح دار السعادة ج1 ص94
تعليق :
فى الحقيقة من تأمل مذاهب المرجئة والأشاعرة والجهمية وجد تشابه كبير فى أقوالهم وتداخل فى معتقداتهم أيضا ، وهذا ليس غريبا ، ولكن الغريب أن فريقا من المنتسبين إلى السلفية فى هذه العصور المتأخرة يقولون بقول جهم تارة وبقول المرجئة تارة أخرى وأحسنهم حالا من يقول بقول الأشاعرة ، والمصيبة أنهم يزعمون أنهم على منهج السلف لكونهم يوافقون السلف فى الفظ ، ولكنهم يخالفون السلف فى المعنى ، لذلك وجب على من نصح لنفسه أن يأخذ أمور العقائد من كتب السلف دون غيرهم 
الإيمان عند الماتريدية :
يتلخص مذهب الماتريدية فى الإيمان " بأن الإيمان هو التصديق ، وأن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط ، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، ولا يستثنى فيه "
قال الماتريدى " ثم قد ثبت بأدلة القرآن وما عليه أهل الإيمان ،والذى جرى به من اللسان أن الإيمان هو التصديق " اهـ التوحيد للماتريدى ص332
وقال أيضا " الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمى به بالإطلاق ، وترك الإستثناء فيه ، لأن كل معنى مما باجتماع وجوده تمام الإيمان عنده ، مما إذا استثنى فيه لم يصح ذلك المعنى " اهـ التوحيد ص388
قال شيخ الإسلام "  وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كأبي منصور الماتريدي وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا : إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا"اهـ ج7 ص510
ويقرر الإمام ملا على القارى مذهب الماتريدية بقوله " وذهب جمهور المحققين إلى أن الإيمان هو التصيق بالقلب ، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام فى الدنيا 0000 وهذا هو اختيار الشيخ أبى منصور الماتريدى ـ رحمه الله " اهـ شرح الفقه الأكبر ص125
وأما عمل الجوارح ، فقد أخرجوه من الإيمان وبعضهم يجعله من كمال الإيمان
قال ملا على القارى " وأما العمل بالأركان فهو من كمال الإيمان ، وجمال الإحسان " اهـ شرح الفقه الأكبر ص103
أما مفهوم الكفر عندهم بناء على تعريفهم للإيمان :
فهو لا يختلف عن مذهب الأشاعرة فى تعريفهم الكفر وأنه التكذيب ، وأن من الأعمال والأقوال ما جعله الشارع علامة على التكذيب ، فيُحكم بكفر مرتكبها
قال النسفى الماتريدى " الكفر هو التكذيب والجحود ، وهما يكونان بالقلب " اهـ التمهيد ص100
قال صاحب كتاب نواقض الإيمان الإعتقادية عن مفهوم الكفر عند الماتريدية والأشاعرة :
 قال" الكفر عندهم:
"الكلام عن مفهومهم للكفر فرع عن مفهومهم للإيمان، فلما عرفوا الإيمان بأنه مجرد المعرفة والتصديق، حصروا الكفر بالجهل والتكذيب ونحوه من الجحود والإنكار والعناد، فلما قيل لهم: إن ساب الرسول - صلى الله عليه وسلم-، أو الساجد للصنم، أو ملقي المصحف في القاذورات، كافر عند الجميع، ولا يلزم من ذلك انتفاء التصديق عن قلبه، اضطربوا في الجواب عن ذلك، فقال بعضهم إن هذه علامات على تكذيب القلب، وقال آخرون نحكم بالظاهر ويجوز أن يكون في الباطن مؤمناً، و إليك بعض النقولات عنهم الموضحة لمذهبهم- باختصار-: قال الإمام الباقلاني - رحمه الله - في تعريف الكفر: (وهو ضد الإيمان، وهو الجهل بالله عز وجل، والتكذيب به، الساتر لقلب الإنسان عن العلم به، فهو كالمغطي للقلب عن معرفة الحق، ومنه قول الشاعر: في ليله كفر النجوم غمامها، أي غطاها، ومنه قولهم: زيد متكفر بسلاحه.. وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار) (304)، وقال أبو المعين النسفي: (... الكفر هو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب...)(305)"اهـ نواقض الإيمان ج1 ص137
الإيمان عند مرجئة الفقهاء :
مرجئة الفقهاء هم : من نسب إلى الإرجاء من الفقهاء ، كحماد بن أبى سليمان ، وأبى حنيفة ـ رحمهما الله ـ ومن تبعهما على ذلك
وملخص مذهبهم : أنهم ذهبوا إلى أن الإيمان : تصديق بالقلب ، وقول باللسان ، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان ، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، وكذلك منعوا من الإستثناء فيه ، على الرغم من موافقتهم لأهل السنة أن مرتكب الكبيرة معرض للوعيد ، وهو تحت المشيئة 0
قال الإمام أبى حنيفة ـ رحمه الله ـ " والإيمان هو الإقرار والتصديق وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن بها ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد متفاضلون في الأعمال"اهـ الفقه الأكبر مع شرحه لملا على القارى ص102 ـ 129
وقد ذكر الإمام الطحاوى فى عقيدته المشهورة التى هى بيان لعقيدة الإمام أبى حنيفة وصاحبيه قولهم فى الإيمان بقوله :" والإيمان : هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان . ( 43 )
 وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشرع والبيان كله . حق
 والإيمان واحد وأهله في أصله سواء والتفاضل ( 44 ) بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى" اهـ ص42
وقد عدّ أصحاب المقالات أبا حنيفة وأصحابه من المرجئة لإخراجهم العمل من مسمى الإيمان ونفيهم الزيادة والنقصان ، واشتد إنكار السلف عليهم لذلك
قال الأشعرى فى المقالات "  والفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير" اهـ  مقالات الإسلاميين ج1 ص219
وقال شيخ الإسلام " والمرجئة الذين قالوا : الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمناً إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه . وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم" اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص194
ملخص مذهب مرجئة الفقهاء :
1ـ الإيمان عندهم : قول اللسان ، وتصديق القلب
2ـ إخراج العمل الظاهر " عمل الجوارح " من مسمى الإيمان
3ـ أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص
4ـ أن أهله متساوون فى أصله ، وأن التفاضل إنما يقع فى غير الإيمان
5ـ أنه لا يستثنى فيه
6ـ أما أعمال القلوب ، فيقول عنهم شيخ الإسلام " لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب فى الإيمان لزمهم قول جهم ، وإن أدخلوها فى الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا ، فإنها لازمة لهل " اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص195
من أقوال المرجئة المعاصرين
1ـ الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، لكن الكفر لا يكون إلا بالقلب، دون البدن
2ـ الإيمان قول وعمل، وتارك العمل بالكلية ـ مع القدرة والتمكن ـ مسلم موحد
3ـ الإيمان قول وعمل  ، والكفر يكون بالقول والعمل ، لكن لا يكفر المعين إلا إذا اعتقد الكفر ، أو قصده ، أو استحله ، إلى غير ذلك من المقالات المأخوذة عن أهل الإرجاء والتجهم
قال الشيخ صالح الفوزان : " وهناك فرقة خامسة ظهرت الآن ، وهم الذين يقولون : إن الأعمال شرط فى كمال الإيمان الواجب ، أو الكمال المستحب " اهـ التعليق المختصر على القصيدة النونية ج2 ص647
وقال أيضا "  وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن من قال كلمة الكفر أو عمل الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه ما يقول ويفعل. ومن يقول: إن الجاهل يعذر مطلقًا ولو كان بإمكانه أن يسأل ويتعلم، وهي مقالة ظهرت ممن ينتسبون إلى العلم والحديث في هذا الزمان" اهـ شرح كشف الشبهات ص55
وسئل الشيخ الفوزان أيضا :
"هل تصح هذه المقولة : أن من قال الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء كله حتى لو قال لا كفر إلا باعتقاد وجحود ؟
الجواب :
هذا تناقض لأنه إذا قال : لا كفر إلا باعتقاد أو جحود ، فهذا يناقض قوله : أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح .
لأنه إذا كان الإيمان قولًا باللسان واعتقادًا بالجنان وعملًا بالجوارح وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فمعناه أن من تخلى عن الأعمال نهائيًا فإنه لا يكون مؤمنًا ، لأن الإيمان مجموع هذه الأشياء ولا يكفي بعضها . والكفر ليس مقصورًا على الجحود . وإنما الجحود نوع من أنواعه فالكفر يكون بالقول وبالفعل وبالاعتقاد وبالشك كما ذكر العلماء ذلك . وانظر باب أحكام المرتد من كتب الفقه "اهـ مسائل فى الإيمان ص23

الإيمان عند أهل السنة والجماعة :

يتكون الإيمان عند أهل السنة والجماعة من عدة عناصر أساسية وهي :
الأول: الاعتقاد بالقلب , والثاني : الإقرار باللسان , والثالث : العمل بالجوارح .
والعنصر الأول : يتكون من أمرين ( الإيمان بالقلب ) :عمل القلب – أي : 
1- قول القلب – أي : المعرفة والإقرار والتصديق .
2- عمل القلب – أي الالتزام والانقياد والإذعان والتسليم .
والعنصر الثاني: ( الإقرار باللسان ) :
وهو شرط صحة لا بد منه عند أهل السنة والجماعة منعقد على ذلك .
يقول العلامة البدر العيني : ( اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي : أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار , لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك , ونطق مع ذلك بالشهادتين , فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً , بل يخلد في النار , إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه , أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية , أو لغير ذلك , فإنه حينئذ يكون مؤمناً بالاعتقاد من غير لفظ ) . اهـ من ( عمدة القاري – جـ 1 ) . 

العنصر الثالث : ( العمل بالجوارح ) :
وهي تدخل في مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة , وذلك بالإجماع .
 قال الإمام الشافعي في كتابه الأم في باب : النية في الصلاة :
( وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم , ومن أدركناهم يقولون : الإيمان : قول وعمل ونية , لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر ) . اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص308 
وقال شيخ الإسلام " وقد حكى غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الايمان قول وعمل " اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص330
وقال ـ رحمه الله ـ "  وروى أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال قال : أملي علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا شك أن ذلك كما وصفنا، وإنما عقلنا هذا بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة، وآحاد أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهلم جرا على ذلك، وكذلك بعد التابعين من أهل العلم على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في عهد الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك ابن أنس بالحجاز، ومعمر باليمن، على ما فسرنا وبينا، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص308
وقال: (والمأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية" اهـ مجموع الفتاوى ج7 ص505

ولكن العمل عند أهل السنة ليس كله شرطاً في الصحة كقول الخوارج والمعتزلة , وليس كله شرط كمال كقول بعض المرجئة والأشاعرة , ولكن جنس العمل , أو بعضه شرط صحة , والبعض الآخر شرط كمال , وعلى ذلك : فالإيمان يتبعض عند أهل السنة والجماعة ويتفاضل من حيث أصله ومن حيث عمل القلب والجوارح , وبالتالي فهو يزيد وينقص .

وبناء على هذا الأصل : فمفهوم الكفر عند أهل السنة والجماعة :
الكفر عند أهل السنة والجماعة قد يكون بالقول أو بالفعل أو الاعتقاد , وذلك من خلال الضوابط اللازمة لذلك .
وهذا مما اتفق عليه أهل السنة وأجمعوا عليه ، خلافا لمن حصر الكفر فى التكذيب أو الجحود بالقلب أو بالقلب واللسان ، ونفى أن يكون الكفر بالعمل أو بالترك
قال الإمام إسحاق بن راهويه ـ رحمه الله ـ " ((وممَّا أجمعوا على تكفيره ، وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد ، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ، ومما جاء من عنده ، ثم قتل نبيَّاً، أو أعان على قتله ، وإن كان مُقِرَّاً ، ويقول : قتل الأنبياء محرَّمٌ ، فهو كافرٌ ، وكذلك من شتَمَ نبيَّاً ، أو ردَّ عليه قولَه من غير تقيَّةٍ ولا خوفٍ " اهـ تعظيم قدر الصلاة للمروذى ج2 ص930
وقال شيخ الإسلام " وإن من سب الله أو رسوله كفر ظاهرا وباطنا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" اهـ الصارم المسلول ص512
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ " وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية ، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا ، وهى شعبة من شعب الكفر ، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف ، فهذا أصل " اهـ الصلاة وحكم تاركها ص45
قال الشيخ الفوزان "  فالحاصل أن الذي يتكلم بكلمة الكفر لا يخلو من خمس حالات:
الحالة الأولى: أن يكون معتقدًا ذلك بقلبه فهذا لا شك في كفره.
الحالة الثانية: أن لا يكون معتقدًا ذلك بقلبه ولم يكره على ذلك ولكن فعله من أجل طمع الدنيا أو مداراة الناس وموافقتهم فهذا كافر بنص الآية { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ }(2).
الحالة الثالثة: من فعل الكفر والشرك موافقة لأهله وهو لا يحبه ولا يعتقده بقلبه وإنما فعله شحًا ببلده أو ماله أو عشيرته.
الحالة الرابعة: أن يفعل ذلك مازحًا ولاعبًا كما حصل من النفر المذكورين. وهذا يكون كافرًا بنص الآية الكريمة.
الحالة الخامسة: أن يقول ذلك مكرهًا لا مختارًا وقلبه مطمئن بالإيمان فهذا مرخص له في ذلك دفعًا للإكراه، وأما الأحوال الأربع الماضية فإن صاحبها يكفر كما صرحت به الآيات وفي هذا رد على من يقول إن الإنسان لا يحكم عليه بالكفر ولو قال كلمة الكفر أو فعل أفعال الكفر حتى يُعلم ما في قلبه وهذا قول باطل مخالف للنصوص وهو قول المرجئة الضُّلاَّل " اهـ شرح كشف الشبهات ص122




0 comments:

welcome to my blog. please write some comment about this article ^_^