الإيمان وسنة الفتنة والإبتلاء

 ﭧ ﭨ ﭽ ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ    ﮬ     ﮭ  ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ      ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  العنكبوت: ٢ - ٣
إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ; وأمانة ذات أعباء ; وجهاد يحتاج إلى صبر , وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس:آمنا . وهم لا يتركون لهذه الدعوى , حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .
هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت , وسنة جارية , في ميزان الله سبحانه:
ﭧ ﭨ ﭽ ﮮ  ﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓﯔ  ﯕ  ﯖ  ﯗ      ﯘ  ﯙ  ﯚ  ﯛ  العنكبوت: - ٣  
والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ; ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله , مغيب عن علم البشر ; فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم . وهو فضل من الله من جانب , وعدل من جانب , وتربية للناس من جانب , فلا يأخذوا أحدا إلا بما استعلن من أمره , وبما حققه فعله . فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه ! .
ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين .
إن الإيمان أمانة الله في الأرض , لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة , وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص . وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة , وعلى الأمن والسلامة , وعلى المتاع والإغراء . وإنها لأمانة الخلافة في الأرض , وقيادة الناس إلى طريق الله , وتحقيق كلمته في عالم الحياة . فهي أمانة كريمة ; وهي أمانة ثقيلة ; وهي من أمر الله يضطلع بها الناس ; ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء .
ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ; ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه , ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة ; ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان . وهذه هي الصورة البارزة للفتنة , المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة . ولكنها ليست أعنف صور الفتنة . فهناك فتن كثيرة في صور شتى , ربما كانت أمر وأدهى .
* هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه , وهو لا يملك عنهم دفعا . وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ; وينادونه باسم الحب والقرابة , واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك . وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق عسير .
* وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين , ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين , تهتف لهم الدنيا , وتصفق لهم الجماهير , وتتحطم في طريقهم العوائق , وتصاغ لهم الأمجاد , وتصفو لهم الحياة . وهو مهمل منكر لا يحس به أحد , ولا يحامي عنه أحد , ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئا .
* وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة , حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقا في تيار الضلالة ; وهو وحده موحش غريب طريد .
* وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام . فتنة أن يجد المؤمن أمما ودولا غارقة في الرذيلة , وهي مع ذلك راقية في مجتمعها , متحضرة في حياتها , يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان . ويجدها غنية قوية , وهي مشاقة لله !
* وهنالك الفتنة الكبرى . أكبر من هذا كله وأعنف . فتنة النفس والشهوة . وجاذبية الأرض , وثقلة اللحم
ﭧ ﭨ ﭽ ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ   ﯠ  ﯡ  ﯢﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ  العنكبوت: ٤ والدم , والرغبة في المتاع والسلطان , أو في الدعة والاطمئنان . وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه , مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس , وفي ملابسات الحياة , وفي منطق البيئة , وفي تصورات أهل الزمان !
فإذا طال الأمد , وأبطأ نصر الله , كانت الفتنة أشد وأقسى . وكان الابتلاء أشد وأعنف . ولم يثبت إلا من عصم الله . وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان , ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى , أمانة السماء في الأرض , وأمانة الله في ضمير الإنسان .
وما بالله - حاشا لله - أن يعذب المؤمنين بالابتلاء , وأن يؤذيهم بالفتنة . ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة . فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ; وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات , وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام , وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه , وعلى الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء .
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ; وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع . وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل . وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات , فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا ; وأقواها طبيعة , وأشدها اتصالا بالله , وثقة فيما عنده من الحسنيين:النصر أو الأجر , وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية . مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار .
وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن ; وبما بذلوا لها من الصبر على المحن ; وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات . والذي يبذل من دمه وأعصابه , ومن راحته واطمئنانه , ومن رغائبه ولذاته . ثم يصبر على الأذى والحرمان ; يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل ; فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام .
فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفل به وعد الله . وما يشك مؤمن في وعد الله . فإن أبطأ فلحكمة مقدرة , فيها الخير للإيمان وأهله . وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله . وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة , ويقع عليهم البلاء , أن يكونوا هم المختارين من الله , ليكونوا أمناء على حق الله . وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء:
جاء في الصحيح:" أشد الناس بلاء الأنبياء , ثم الصالحون , ثم الأمثل فالأمثل , يبتلى الرجل على حسب دينه , فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء " . .
وأما الذين يفتنون المؤمنين , ويعملون السيئات , فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين . مهما انتفخ باطلهم وانتفش , وبدا عليه الانتصار والفلاح . وعد الله كذلك وسنته في نهاية المطاف:
ﭧ ﭨ ﭽ ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ   ﯠ  ﯡ  ﯢﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ  العنكبوت: ٤ فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق , ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه , وفسد تقديره , واختل تصوره . فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادقين والكاذبين ; هو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد .
وهذا هو الإيقاع الثاني في مطلع السورة , الذي يوازن الإيقاع الأول ويعادله . فإذا كانت الفتنة سنة جارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف , فخيبة المسيئين وأخذ المفسدين سنة جارية لا بد أن تجيء .
أما الإيقاع الثالث فيتمثل في تطمين الذين يرجون لقاء الله , ووصل قلوبهم به في ثقة وفي يقين:

ﭧ ﭨ ﯶ   ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾ   ﯿ  ﰀ  ﰁ   ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ   ﭘ  ﭙ  ﭚ  ﭛ           ﭜ  ﭝ  العنكبوت: ٦ - ٧.
فلتقر القلوب الراجية في لقاء الله ولتطمئن ; ولتنتظر ما وعدها الله إياه , انتظار الواثق المستيقن ; ولتتطلع إلى يوم اللقاء في شوق ولكن في يقين .
والتعبير يصور هذه القلوب المتطلعة إلى لقاء الله صورة موحية . صورة الراجي المشتاق , الموصول بما هناك . ويجيب على التطلع بالتوكيد المريح . ويعقب عليه بالطمأنينة الندية , يدخلها في تلك القلوب . فإن الله يسمع لها , ويعلم تطلعها: (وهو السميع العليم).
والإيقاع الرابع يواجه القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان , ومشاق الجهاد , بأنها إنما تجاهد لنفسها ولخيرها ولاستكمال فضائلها , ولإصلاح أمرها وحياتها ; وإلا فما بالله من حاجة إلى أحد , وإنه لغنى عن كل أحد:
ﭧ ﭨ ﭽ ﯶ   ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾ   ﯿ  ﰀ  ﰁ   العنكبوت: ٦ فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق , فإنما ذلك لإصلاحهم , وتكميلهم , وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة . والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه ; ويرفع من تصوراته وآفاقه ; ويستعلي به على الشح بالنفس والمال , ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات . وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة , وما يعود عليها من صلاح حالها , واستقرار الحق بينها , وغلبة الخير فيها على الشر , والصلاح فيها على الفساد .
ﯶ   ﯷ  ﯸ  ﯹ  ﯺﯻ  ﯼ   ﯽ  ﯾ   ﯿ  ﰀ  ﰁ   فلا يقفن أحد في وسط الطريق , وقد مضى في الجهاد شوطا ; يطلب من الله ثمن جهاده ; ويمن عليه وعلى دعوته , ويستبطئ المكافأة على ما ناله ! فإن الله لا يناله من جهاده شيء . وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل: (إن الله لغني عن العالمين). وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده , وأن يستخلفه في الأرض به , وأن يأجره في الآخرة بثوابه)الذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم , ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون.(
فليطمئنالمؤمنون العاملون على ما لهم عند الله , من تكفير للسيئات , وجزاء على الحسنات . وليصبروا على تكاليف الجهاد ; وليثبتوا على الفتنة والابتلاء ; فالأمل المشرق والجزاء الطيب , ينتظرانهم في نهاية المطاف . وإنه لحسب المؤمن حتى لو فاته في الحياة الانتصاف .
*الإبتلاء بالوالدين والإحسان إليهما
ثم يجيء إلى لون من ألوان الفتنة أشرنا إليه في مطلع السورة:فتنة الأهل والأحباء . فيفصل في الموقف الدقيق بالقول الحازم الوسط , لا إفراط فيه ولا تفريط
ﭧ ﭨ ﭽ ﭞ  ﭟ     ﭠ   ﭡﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ   ﭦ  ﭧ  ﭨ   ﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ  ﭭﭮ  ﭯ    ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ                 ﭴ  ﭵ   العنكبوت: ٨ إن الوالدين لأقرب الأقرباء . وإن لهما لفضلا , وإن لهما لرحما ; وإن لهما لواجبا مفروضا:واجب الحب والكرامة والإحترام والكفالة . ولكن ليس لهما من طاعة في حق الله . وهذا هو الصراط: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا . وإن جاهداك لتشرك بي ما ليسلك به علم فلا تطعهما).
إن الصلة في الله هي الصلة الأولى , والرابطة في الله هي العروة الوثقى . فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان

ﭧ ﭨ ﭽ ﭞ  ﭟ     ﭠ   ﭡﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ   ﭦ  ﭧ  ﭨ   ﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ  ﭭﭮ  ﭯ    ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ                 ﭴ  ﭵ   ﭶ  ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ     ﭽ  ﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ   ﮉ  ﮊ  ﮋ           ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ        ﮐ  ﮑ  ﮒ   ﮓ  ﮔ  ﮕﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ  ﮜ       ﮝ   ﮞ  العنكبوت: ٨ - ١٠ والرعاية , لا الطاعة ولا الاتباع . وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى الله . ﭨ ﭽ ﭯ    ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ                 ﭴ  ﭵ   العنكبوت: ٨ .
ويفصل ما بين المؤمنين والمشركين . فإذا المؤمنون أهل ورفاق , ولو لم يعقد بينهم نسب ولا صهر: ﭧ ﭨ ﭽ ﭶ  ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ     ﭽ  العنكبوت: ٩.
وهكذا يعود الموصولون بالله جماعة واحدة , كما هم في الحقيقة ; وتذهب روابط الدم والقرابة والنسب والصهر , وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا , فهي روابط عارضة لا أصيلة , لانقطاعها عن العروة الوثقى التي لا انفصام لها .
روى الترمذي عند تفسير هذه الآية أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وأمه حمنة بنت أبي سفيان , وكان بارا بأمه . فقالت له:ما هذا الدين الذي أحدثت ? والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت , فتتعير بذلك أبد الدهر , يقال:يا قاتل أمه . ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب , فجاء سعد إليها وقال:يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني , فكلي إن شئت , وإن شئت فلا تأكلي . فلما أيست منه أكلت وشربت . فأنزل الله هذه الآية آمرا بالبر بالوالدين والإحسان إليهما , وعدم طاعتهما في الشرك .
وهكذا انتصر الإيمان على فتنة القرابة والرحم ; واستبقي الإحسان والبر . وإن المؤمن لعرضة لمثل هذه الفتنة في كل آن ; فليكن بيان الله وفعل سعد هما راية النجاة والأمان .
*موقف بعض الناس من الفتنة وغروره بالرخاء
ثم يرسم صورة كاملة لنموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء , ثم الادعاء العريض عند الرخاء . يرسمها في كلمات معدودات , صورة واضحة الملامح بارزة السمات:
ﭧ ﭨ ﭽ ﭾ  ﭿ   ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ   ﮉ  ﮊ  ﮋ           ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ        ﮐ  ﮑ  ﮒ   ﮓ  ﮔ  ﮕﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ  ﮜ       ﮝ   ﮞ  العنكبوت: ١٠
ذلك النموذج من الناس , يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل , هينة المؤونة , لا تكلف إلا نطقها باللسان ,(فإذا أوذي في الله) بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى (جعل فتنة الناس كعذاب الله) فاستقبلها في جزع , واختلت في نفسه القيم , واهتزت في ضميره العقيدة ; وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه , حتى عذاب الله ; وقال في نفسه:ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شيء , فعلام أصبر على الإيمان , وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب ? وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر , وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه .
هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة .
(ولئن جاء نصر من ربك ليقولن:إنا كنا معكم)!
إنا كنا معكم . . وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي , وسوء التصوير وخطأ التقدير . ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة , وينتفش المنزوون المتخاذلون , ويستأسد الضعفاء المهزومون , فيقولون: إنا كنا معكم !
(أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ?). .


وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْوَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّيَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)
أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع , ومن إيمان أو نفاق ? فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون ?
(وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين). .
وليكشفنهم فيعرفون ; فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون .
ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول: (جعل فتنة الناس كعذاب الله). .
فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب , فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات - وللطاقة البشرية حدود - ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل , وبين عذاب الله العظيم ; فلا يختلط في حسهم أبدا عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير , حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدي الطاقة وجهد الاحتمال . . . إن الله في حس المؤمن لا يقوم له شيء , مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله . . وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق .
 * فردية التبعة يوم القيامة
* وأخيرا يعرض فتنة الإغواء والإغراء ; ويعرض معها فساد تصور الذين كفروا للتبعة والجزاء ; ويقرر فردية التبعة وشخصية الجزاء وهو المبدأ الإسلامي الكبير , الذي يحقق العدل في أجلى مظاهره , وأفضل أوضاعه:
وقال الذين كفروا للذين آمنوا:اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم . و ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء . إنهم لكاذبون . وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم , وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون . .
وقد كان الذين كفروا يقولون هذا تمشيا مع تصورهم القبلي في احتمال العشيرة للديات المشتركة والتبعات المشتركة . يحسبون أنهم قادرون على احتمال جريرة الشرك بالله عن سواهم وإعفائهم منها . ذلك إلى التهكم على قصة الجزاء في الآخرة إطلاقا:
(اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم). .
ومن ثم يرد عليهم الرد الحاسم , فيرد كل إنسان إلى ربه فردا , يؤاخذه بعمله , لا يحمل أحد عنه شيئا: ) وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء). .
ويجبهم بما في قولتهم هذه من كذب وادعاء:
(إنهم لكاذبون). .
ويحملهم وزر ضلالهم وشركهم وافترائهم , ووزر إضلالهم للآخرين . دون أن يعفي هؤلاء من تبعة الضلال:
( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم . وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون).
ويغلق هذا الباب من أبواب الفتنة ; فيعلم الناس أن الله لا يحاسبهم جماعات . إنما يحاسبهم أفرادا , وأن كل امرىء بما كسب رهين . .
الشهيد سيد قطب – رحمه الله .
أعدها للنشر/ أبو عبدالله جمال الجندى

0 comments:

welcome to my blog. please write some comment about this article ^_^